القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٠

200

القواعد الفقهية عند الإباضية

أما الإمام السالمي فقد صرح بها في سياق كلامه عن أحكام القضاء فيقول: «و «المشقة تجلب التيسير»، وينبغي للقاضي أن يتحرز في أمره، فإذا أتاه آت بدون نوطيس ألان له القول وأظهر له العذر، وبين له أنه يستطيع الحكم دون نوطيس، وأنه لو استطاع لفعل حتى يكون ذلك أطيب لنفس الشاكي، ويعلم بعذره، وهذا فيه تخفيف للقاضي والمدعي).

كما اعتمد الشيخ بيوض على هذه القاعدة في فتاويه، فنجدها مجسدة في

جواباته، فيقول في باب الإحرام بالحج من الميقات: «وقد علمنا من سننه أنه يرفق بالمؤمنين ويخفف عنهم المشقة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشهد الله له بذلك بقوله تبارك وتعالى: {عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ (التوبة: 128)، وقد رَفَق بحجاج الآفاق فجعل مواقيتهم أقرب إلى مكة بكثير من ميقات أهل المدينة، ومن أولى من حجاج الآفاق بالرفق والتخفيف من المشقة من حجاج المغاربة، ومن مثلهم من حجاج البحر والجو من الأماكن البعيدة» (2).

ومن

خلال هذه النصوص المختلفة يتبن مدى اعتماد فقهاء الإباضية على هذه القاعدة الكلية في فروعهم الفقهية، تأكيداً على أهميتها ومكانتها في الفقه الإباضي، لأنهم يدركون أن التخفيف والتيسير ورفع المشقة من مقاصد الشارع في تشريع

الأحكام، ومراعاتهم لهذا المقصد يظهر أثره في كثير من فتاويهم وأجوبتهم. ولكي ندرك مكانة هذه القاعدة الجليلة وأبعادها في الفقه الإسلامي، ينبغي أن نشرح مدلولها لغة واصطلاحاً لتحديد حقيقتها، ونذكر أدلتها وضوابطها، لبيان مراد الفقهاء منها، ونبحث الأسباب الشرعية للتيسير، وبالنظر في تطبيقاتها تتضح معالمها وتبرز سماتها، وتتيسر معرفة نظائرها، والقواعد المتفرعة عنها أو المندرجة تحتها.

(1) السالمي: العقد الثمين، 334/ 4 - 335.

(2) بيوض إبراهيم: فتاوي الإمام الشيخ بيوض، 320/ 1.