القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٠

210

القواعد الفقهية عند الإباضية

وهذا النوع من المشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً ويستلزمها أداء الواجبات والقيام بالمساعي التي تقتضيها الحياة الصالحة، كما لا يمكن انفكاك التكاليف المشروعية عنها؛ لأن كل واجب لا يخلو عن مشقة، كمشقة الوضوء والغسل في شدة البرد، وكمشقة صلاة الفجر في هجر المضجع، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكالمشقة الحاصلة في السفر التي لا يخلو منها الحج والجهاد غالباً، فلا بد منها لأداء هاتين الفريضتين، فلا تبيح ترك الحج والجهاد لمجرد مشقة السفر، وكالألم الحاصل للمقام عليه الحد، كحد الجلد والرجم والقطع، فإنه يحصل للجناة من سرقة وزني وقذف، ولا سيما في حق الآباء والأمهات والبنين والبنات وقتال البغاة في حال الصحة والقدرة مشقة وألم عظيم، ولا يسقط ذلك الحد عنهم لعدم إمكان انفكاكهم عنها (1)، فهذه مشقة عظيمة ولكنها غير معتبرة في نظر الشارع، قال تعالى: {وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

الآخر (النور: (2)، وقال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (2). وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، ومشقة العمل لاكتساب المعيشة، فكل هذه التكاليف والواجبات نوع مشقة تستلزمها طبيعته، وتختلف بحسبه درجتها، فهذه لا أثر لها في إسقاط العبادات ولا في إسقاط العقوبات ولا في تخفيفها في كل الأوقات، ولا مانع منها؛ لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفاتت الحكمة من مشروعية العقوبات وهذا الضرب من المشقة يعبر عنه بالمشقة الطبيعية في الحدود العادية.

(1) الشاطبي: المصدر نفسه، ص 87 وما بعدها. ـ السيوطي، الأشباه والنظائر، الراشدي، جواهر القواعد، ص 128. - العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، 107/ 2. (2) متفق عليه، رواه البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الغار - حديث: 3306 عن عائشة. وفي ـ كتاب المغازي باب - حديث: 4064. عن عروة بن الزبير. ورواه مسلم ـ

كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره - حديث: 3282. عن عروة عن

عائشة.