القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٢

212

القواعد الفقهية عند الإباضية

وقد بيَّن الشاطبي الحكمة من عدم التكليف بالمشاق وعبّر عنها بقوله: اعلم أن الحرج والمشقة مرفوع على المكلفين لوجهين:

أحدهما: خوف الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهية التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد على المكلف في جسمه، أو عقله، أو ماله أو حاله؛ وذلك لأن الله وضع هذه الشريعة حنيفة سمحة سهلة، حفظ فيها على الناس مصالحهم، ومن هنا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى

تملوا» (1).

الثاني خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع مثل: قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أخر تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلاً عنها، وقاطعاً بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما (2). وقد قسم العلماء المشقة غير المعتادة التي لا تنفك عنها العبادات إلى ثلاث مراتب (3).

الأولى: مشقة عظيمة فادحة تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كما إذا كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو يؤدي إلى خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد وموجبة للتخفيف والترخيص قطعاً؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالها، فهذه المشقة هي

،1100

(1) متفق عليه، رواه البخاري أبواب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم ومسلم، کتاب صلاة المسافرين باب فضيلة العمل الدائم، رقم 782، 540/ 1، عن عائشة. (2) الشاطبي: الموافقات، 136/ 2. (3) العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 12/ 2. - القرافي: الفروق، 119/ 1.