الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٧الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
227
هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يترك
الأمر مخافة أن يكون فيه مشقة على أمته، وكثيراً ما كان يأمر بالتخفيف،
وينهى الناس عن الغلو والتشدد.
فمن الأحاديث الجلية في هذا المعنى:
ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر صل الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاماً ورجُلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا»؟ فقالوا صائم، قال: ليس من البرّ الصوم في السفر).
قال القطب أطفيش في بيان مدلول الحديث: «أنه ليس من البر الصوم إذا كان تلحقه المضرة أو الشدة، أي ليس إحساناً مطلقاً بل إحسان إذا كان لا يشتد عليه (2) وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وعليكم برخصة الله التي رخص لكم). قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: « … وقوله: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم دليل على أنه يستحب التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع والتعمق» (4). - وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على المؤمنين ـ وفي رواية: على أمتي - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). قال الشاه ولي الله الدهلوي في
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي … ، رقم 1844، ومسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والإفطار في شهر رمضان للمسافر، رقم 1115، عن جابر. ورواه
أبو داود في السنن ـ كتاب الصوم باب اختيار الفطر - حديث: 2068.
(2) أطفيش: شرح النيل، 356/ 3.
(3) مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والإفطار في شهر رمضان للمسافر، رقم 1115، عن جابر. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه - كتاب الصيام جماع أبواب الصوم في السفر ـ باب ذكر البيان أن الفطر في السفر رخصة لا حتماً حديث: 1887. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ـ كتاب البر والإحسان باب ما جاء في الطاعات وثوابها ـ ذكر الإخبار بأن على المرء قبول رخصة الله له في طاعته، حديث: 356. وهو صحيح. (4) ابن دقيق العيد، إحكام الأحكام، 225/ 2. ط المطابع المنيرية بمصر. (5) صحيح مسلم بشرح النووي، 143/ 3. سبق تخريجه.