القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٤١

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

241

أجازوه في كل سفر، مباحاً كان أو معصية، ذكر ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. وسبب التنازع: تعارض المعنى المعقول وظاهر اللفظ بين سفر وسفر، ومن اعتبر فعل الرسول ل لم يجز القصر إلا في السفر المتقرب به، كالحج والجهاد كما قدمنا، أما من فرق بين المباح والمعصية، فعلى جهة التغليظ، والأصل فيه: هل يجوز الرخصة للعصاة أم لا؟» (1).

ويبدو من عبارة الجيطالي أنه يميل إلى رأي الجمهور في جواز الرخص في السفر المباح، أو بقصد الطاعة، وتمنع في سفر المعصية، وهذا ما يفهم من كلامه وهو الأليق بأصول أصحابنا»، وبذلك يكون قد خالف جمهور الإباضية وتفرد بهذا القول، ويشير إلى أن الأخذ بهذا المذهب هو ما ينسجم مع قواعد المذهب، أما القول الآخر فإنه يتعارض مع قواعد الفقه الإباضي، ولذلك اختار الجيطالي مخالفتهم في هذه المسألة.

الرأي المختار:

مما تتقدم يمكن القول إن ما ذهب إليه جمهور الإباضية والحنفية هو الرأي الراجح عندنا؛ لأن السفر أصبح من ضرورات الحياة، فبواسطته يستطيع الإنسان أن يوفر لنفسه مستلزمات العيش الكريم من جلب الرزق، وطلب العلم، والعلاج، وصلة الأرحام، والتجارة، فلا يمكن أن يمنع من السفر إذا لم يقصد به الطاعة، فقد يتعرض المرء في السفر إلى مشاق وصعوبات وظروف قاهرة، فيضعف أمامها ويسقط في المعصية، فينبغي أن نشجعه على الطاعة، فإن وقع في المعصية نرشده إلى التوبة ولا يحرم من الرخصة، فلو قصرنا السفر على الطاعة، كالحج والجهاد وطلب العلم والتجارة ونحوها، للحق بالمسافر مشقة وعنت، فمن التيسير عليه ورفع الحرج عنه أن تباح له رخص السفر، كالقصر والإفطار مطلقاً، ولا يقيّد بالطاعة أو المعصية؛ لأن النصوص

(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 258/ 1.