القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣١٠

310

القواعد الفقهية عند الإباضية

ويبين الكدمي حكم من يفتي الناس عن جهل ولو أصاب الحق، فهو ظالم وآثم، وتجب عليه التوبة، فيقول: ومعنى أنه قد قيل في الجاهل الذي يعرف بالجهل، وليس هو ممن يؤتمن على العلم ولا هو من أهله، إذا أفتى بما خالف فيه الحق مما لا يجوز في الرأي، وهو مخالف لأحكام الدين، فقال فيه بجهل لو لم يتعمد في ذلك شيئاً من الحق فهو ظالم آثم بقوله بخلاف الحق؛ بجهل أو بعلم، ولا أعلم عليه - بعد التوبة - ضماناً؛ لأنه ليس من الأدلة على الحق، وإن قال في ذلك بجهله؛ قصداً منه إلى الحق على ما يظن أنه واسع له، فوافق الحق في دين أو رأي فيما يسع فيه الرأي، فمعي أنه سالم ولا إثم عليه إذا وافق الحق الذي يجوز فيه القول لمن علمه (1). فهذه المأمورات التي أمر الله بها عباده المكلفين، من فرائض في أصول العبادات والمعاملات والأخلاق، لا يلزمهم معرفتها حتى يحين وقت فعلها، فإذا وجبت عليهم فلا يسعهم جهلها، فيجب عليهم العلم والعمل بها حتى تبرأ ذمتهم، ومن ضيعها فهو آثم لا يعذر بجهله، وقبل ذلك فهم معذورون في جهلها، فإذا لزمتهم فلا عذر لهم ويقدم أبو إسحاق الحضرمي صوراً عديدة للأمور التي يسع جهلها ما لم تقم الحجة بالسمع أو الشك فيه، أو يخطر على باله، من ذلك:

(2)

لو أن رجلاً جهل معرفة حرمة الزنا، أو فرض الصلاة، أو لم يعرف بشرك من جحد الله، وكفر من جحد الرسول، كان معذوراً، فإذا سمعه من أحد مما ذكرنا من المسلمين أو من غيرهم، فقبل منهم ذلك، فقال له: إن الزنا حرام، وأن الصلاة فريضة، وأن من جحد الله كان مشركاً، أو بالرسول فهو كافر، لم يسعه الشك في ذلك؛ لأنه أقام الحجة بمثل ما أقامها

الله، هكذا وجدته في بعض السير.

(1) الكدمي: المعتبر، 29/ 3.

(2) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، 29، وما بعدها.