الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٧١الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
371
أغمي عليه في حال صومه فلا قضاء عليه، ومن أغمي عليه اليوم كله قضى وإن لم يأكل؛ لأن الله تعالى قال في الصائم: يدع شهوته وطعامه من أجلي» (1) قال أطفيش معقباً: «قلت: لا يقضي يومه، ولا يومه فصاعداً، إن نوى لرمضان نية واحدة إن فعل مفطراً» (2).
منشأ الخلاف
ولعل سبب الخلاف في المسألة يعود إلى اختلاف علة الحكم، فمن نظر إلى المغمى عليه بأنه صاحب عقل لكنه تعطل لعلة، ألحقه بالنائم، ومن نظر إلى الإغماء وهي حالة تشبه المرض ألحقها به فاختلفت أحكامهم. ولكن لو نظرنا إلى المسألة من جانب آخر نجد أن من يصر على إلحاق
المغمى عليه بالمجنون نظر إلى العلة الجامعة بينهما، وهي فقدان العقل وتعطيله، وقد ذهب إلى هذا القول الإمام الجيطالي، فبعد أن عرض كل الأقوال السابقة حكم بضعفها وقال: «وهذا كله، ضعف فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف، فإذا ارتفع لم يوصف بصائم ولا مفطر».
وعقب المحشي أبي ستة على رأي الجيطالي فقال: «هذا صريح في اختيار أن المغمى عليه لا يقضي صوماً ولا صلاة حيث كان كالمجنون، وهذا ظاهر إذا أغمي عليه في الشهر كله، وإن أغمي عليه في بعض الأيام فالظاهر القضاء؛ لأن المذهب أنه فريضة واحدة كما في المجنون، ولا يقضي الصلاة مطلقاً حيث شبه به، إلا إن أغمي عليه بعد دخول الوقت كما في المجنون» (3). وهو مذهب الإمام جابر بن زيد كما أسلفنا.
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَمَ الله، رقم 7054، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم 1151، عن أبي هريرة.
(2) أطفيش: شرح المدونة لأبي غانم الخراساني، 325/ 1 - 326.
(3) القصبي أبو ستة عمرو: الحاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 93/ 2 - 94.