القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٢

372

القواعد الفقهية عند الإباضية

ولكن الإمام السالمي لم يأخذ بهذا الرأي، فهو يرى أن المغمى عليه مثل النائم، بل هو أشد منه لمنافاتها للقصد والإرادة، وهذا ما أشرنا إليه فيما تقدم. والحاصل: إن المتأمل في الأقوال المختلفة وأدلتها يدرك مدى وجاهة كل رأي استناداً إلى اعتبارات مختلفة، فمن ذهب إلى أن الإغماء حالة مرضية نجده لم يجانب الصواب، فهناك حالات من الأمراض يصاحبها الإغماء قد يطول أو يقصر، فألحقه بالمرض، وما يترتب عليهم من أحكام مع مراعاة جانب التيسير والتخفيف دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج عنهم، خاصة إذا كان الإغماء متكرراً أو ممتداً، ومن نظر إلى جانب تعطل العقل ألحقه بالمجنون، وأسقط عنه التكاليف، فإذا كان ممتداً لا يترتب عليه قضاء ولا بدل، وإن كان متقطعاً أو طارئاً، فإن أفاق قضى الصوم دون الصلاة، ولا شك أن من ذهب إلى هذا الرأي راعى جانب التخفيف، ولا يتحقق ذلك إلا بإسقاط التكاليف عنه في حالة الإغماء، ولا يطالب بقضاء ما فات تيسيراً عليه ورفعاً للحرج

عنه.

الرأي المختار: ولكن عند التحقق مع النظر الطبي نجد أن الإغماء يحدث نتيجة تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية، بسبب مرض يعرض الدماغ، وهو شبيه بالنوم في تعطل العقل، إلا أن النوم عارض طبيعي، والإغماء غير طبيعي، فيكون حكمهما واحد في التصرفات، وهو إلغاؤها وبطلانها، لعدم توفر القصد عند المغمى عليه). وما دام العلم الحديث يؤكد هذه الحقيقة، فلا نملك إلا التصديق بها والاعتماد عليها في تقرير أحكام المغمى عليه وعليه فيبدو أن هذا الرأي هو أعدلهم يترجح لقوة حجته، مع مراعاة جانب التيسير والتخفيف على من ابتلي بهذا، مراعاة للقاعدة المقاصدية: الحرج مرفوع، ولا تكليف بالشاق». ويؤيد ما ذهبنا إليه شيخنا عبد الرحمن بكلي حيث يقول في تعليقه على

(1) الزحيلي وهبه: الفقه الإسلامي وأدلته، 129/ 4.