القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٣٥

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

435

وبناء عليه فليس للمكره الإفطار بالتقية، بل عليه الصبر والاحتساب، ولا يكون مثل من قتل نفسه؛ لأن القاتل له غيره، فهو كرجل باشر الجهاد أن يقال إنه قتل نفسه، لكن يقال جاهد فقُتل، وله ثواب جهاده

فقُتِل، لا يصح

وشهادته، وكذلك المقتول على الصوم.

وقالوا: يجب على المكره أن يفوّض أمره إلى الله، ولا ينفذ ما أكره عليه، والتفويض في ما يستطاع دفعه يكون بالتسليم والمدافعة والاحتيال في المخرج … وفي ما لا يستطاع، يكون بنفس التسيلم والانقياد والرضى بالقضاء، فهو على الحالتين مفوّض، لكنه في الأولى مفوّض مدافع، وفي الثانية مفوّض مستسلم، وذلك حين تعذرت عليه الحيل، فهنالك أُمرنا بالصبر الجميل وتلقي القضاء بالرضى» (1). وبعد أن عرض أبو العباس أنواعاً من الإكراهات، ختمها بقوله: «فهذه الوجوه التي ذكرناها فهو فيها مخيّر، إن أخذ برخصة الله فهو معذور، فإن مات على دينه فهو مأجور» (2).

مجمل القول:

ولكن بعد النظر والتأمل في الرأيين نجد الرأي الأول فيه تخفيف ويسر، ونفي للحرج والمشقة عن المكلف فما دام الشارع لا يحاسب المجبور على قوله وفعله ويرفع عنه الإثم، فلا يترك هذه الرخصة ويُحمل نفسه ما لا تطيق، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (الحج: 78)؛ لأن نفوس الناس ليست واحدة في التحمل والصبر، فهناك من يضعف أمام الخوف والقهر، فيستسلم دون اختياره، كما حدث لعمار بن ياسر الله لما أكره على الكفر، وهناك من يصبر ويتحمل ويحتسب أجره عند الله، كآل ياسر وبلال الحبشي، ولكل أجره

(1) السالمي: المرجع نفسه، ج 69/ 18.

(2) أبو العباس أحمد كتاب أبو مسألة، ص 143.