القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٥٦

القواعد الفقهية عند الإباضية

ولكن في عصرنا الحاضر كثر استعمال الضرورة على غير وجهها الشرعي، فجعلت ذريعة لفعل كثير من المحظورات، وترك الواجبات تحت ستار مبدأ التخفيف والتيسير على الناس دون التقيد بضوابط الضرورة، أو الجهل بأحكامها، وبالحالات التي يصح التقيد بها عند وجود مقتضياتها، فنرى كثيراً من الناس يحاولون التخلص من أداء الفرائض الدينية في أوقاتها بسبب وجودهم في حفل عام مثلاً، أو اجتماع خاص، أو مباراة كرة القدم، وقد يشرب المسلم الخمر ونحوها من المسكرات المعروفة في ضيافة أو حفلة، بقصد المجاملة أو الاستحياء من الناس.

وقد يستبيح إنسان الفواحش والمنكرات؛ لأنه يدرس في بلد غربي أو شرقي، أو بسبب بعده عن زوجته إذا كان متزوجاً، ولا يجد في زعمه مناصاً من الوقوع في الحرام لكثرة الفاحشة، أو لعدم ضبط نفسه أمام كثرة المفاتن والإغراءات، وقد يبادر التاجر، أو المزارع، أو الصانع، أو الموظف، وغيرهم إلى الاقتراض بفائدة الربا من المصارف العقارية، أو التجارية، أو الصناعية، وكل هؤلاء وأضرابهم يتمسكون بمبدأ الضرورة في الإسلام، ويفتون لأنفسهم ولغيرهم بكل جرأة بإباحة ما حرم الله تعالى). وقد نبه الشاطبي إلى خطورة هذا المسلك فقال: «وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يدعي فيها الضرورة - وإلجاء الحاجة ـ بناء على أن «الضرورات تبيح المحظورات فيأخذ عند ذلك بما يتفق مع الغرض … ويوافق الهوى الحاضر، ومَحَالُ الضرورات معلوم من الشريعة (2). ومعنى عبارته أنه ليس كل من ادعى الضرورة يسلم له ادعاؤه شرعاً؛ لأن للضرورة حدّاً محدوداً، وحالات معينة، وضوابط دقيقة كما

فيما يأتي:

(1) السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 254.

•

(2) الشاطبي الموافقات، 94/ 4، [بتصرف يسير].

سنبين

ذلك