الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٢472
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
إباحة ذلك للمضطر كونه غير حرام في حقه، فهو غير نجس في حقه، فنحن نقول: إن حكم النجاسة والتحريم قائم بالذات، ومع ذلك فقد أبيح للمضطر التناول لدفع الضرورة، ألا ترى أنه ذلك الحال يحرم على غير المضطر ما أبيح للمضطر، وكذلك يحرم على المضطر الزيادة على دفع الضرورة، فبهذا تعرف أن الحكم باق في حالة وإن الإباحة للضرورة فقط، فالمباح إنما هو الأكل لا نفس الميتة ونحوها» (1).
وهذا الملحظ قد يخفى عن كثير من الناس فيفهم من حكم إباحة الميتة للمضطر أن تكون مباحة مطلقاً، ويتوسع في أكلها، وربما يفكر فيها غير المضطر، فهنا يباح الفعل المحرم وهو الأكل، ولا يباح ذات الشيء المحرم وهو الميتة، ما دامت حالة الضرورة قائمة ويرجع حالة تحريم الفعل إذا زالت حالة الاضطرار عملاً بالقاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله».
وقد يصبح تناول المحرّم واجباً على المضطر والمستكره لما قد يلحقه من ضرر في النفس أو العضو إذا امتنع عن الأكل من الميتة ونحوها حتى مات أو قتل، كان آثماً إن كان عالماً بسقوط الحرمة في حالته ذلك؛ لأنه بالامتناع صار ملقياً بنفسه إلى التهلكة، وقد نُهي عن ذلك. وفي هذا المعنى يقول السالمي: «وأما النوع الثاني من نوعي الرخصة المجازية، فهو ما يكون فعله مشروعاً لنا في بعض المواضع دون البعض … كالأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير مشروع لنا في حال الضرر لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾
(الأنعام: 119)، وغير مشروع في حال السعة لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (المائدة: (3)، وحكم هذا النوع وجوب الأخذ بالرخصة، في الموضع المشروع فيه الرخصة، وهو حال الاضطرار في الأكل من الميتة … حتى أنه لو ترك الأكل من الميتة وهو مضطر إليها حتى مات جوعاً كان هالكاً عند الله تعالى،
(1) السالمي: المصدر السابق، 259/ 1.