القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٧٧

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

477

فأعاد ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما الأول فقد أخذ بالرخصة، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» (1).

وعقب على هذا النص فقال السالمي: فهذه عدة أدلة مصرحة بأن الأخذ بالعزيمة أوسع، بل هو أفضل من الترخص، ولم يعد تارك الرخصة في هذه الصورة حتى قتل مهلكاً لنفسه، فكذا في أكل الميتة، والفرق بينهما عسر جداً (2).

مجمل القول:

وعند التأمل في رأي السالمي القائل بالعزيمة، وترك الأخذ بالترخص في التلفظ بكلمة الكفر، نجد فيه إظهار لعزة الإسلام وإعلاء لكلمة الحق، كما أن الأمر إذا تعلق بحق الغير ففي الأخذ بالرخصة إلحاق للضرر بهم، وفي الصبر على الأذى حفاظاً لحقوقهم، إلا أننا نقول إن ذلك يختلف بحسب الظروف والأحوال، والناس أمام الإكراه التام، أو الضرورة، صنفان: فمنهم من يضعف وينهار أمام الخوف الشديد، فيلجأ إلى الرخصة تقية لنفسه، وهو معذور في ذلك، ومنهم من يبقى صامداً ويتحمل الأذى من أجل ذلك، ويفضل أن يثبت على الحق ولو أدى ذلك إلى الهلاك ما دام يطمع في الشهادة والثواب الجزيل. النوع الثالث: لا يباح الفعل، ولكن يرخص فيه في الجملة، وهي حقوق العباد كإتلاف مال الغير، وتناول المضطر مال غيره، فإن ذلك حرام، ولكن هذه الحرمة قد تزول بإذن صاحب المال بالتصرف. وقد منع أبو العباس المضطر والمستكره أكل أموال الناس بالتعدية والفساد فيها، من غير حلّه من وجوه المتالف كلها، ومن فعل ذلك فهو آثم وعليه الضمان (3).

(1) رواه أبو داود في المراسيل، حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن يونس عن الحسن قال. 244/ 1، وابن عبد البر في الاستيعاب، حبيب بن زيد بن عاصم، 95/ 1. ينظر: السالمي:

طلعة الشمس، 273/ 2

(2) السالمي: نفسه.

(3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة،

ص 143 - 144.