الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٩الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
479
وخالف ابن بركة أصحاب هذا الرأي، ورخص ذلك عند الاضطرار، ونقل اعتراضهم ورد عليهم بقوله: «فإن قال ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه ولا يشبهه هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب لقوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالإِيمَن) (النحل: 106)، فعذره في هذا الحال وهو يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا أعظم الكذب؛ لأنه كذب على الله تعالى، فالكذب على المسلمين أيسر إذا لم يعرف المعاريض، ومن المعاريض أن يقول: محمداً يكذب على الله، وهو يقصد شخصاً اسمه محمد فيه هذه الصفة،
وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول إذ قدر»). ومما يدخل تحت هذا النوع أيضاً حقوق الله التي تحتمل السقوط في الدنيا، كالعبادات فإنه يجوز تركها بالإكراه الملجئ. نقل محمد بن جعفر جواباً عن محمد بن محبوب ـ رحمهما الله ـ لأهل المغرب: «وإنما تجوز التقية في القول لا في العمل، وكذلك جاء الأثر عن المسلمين وأشياخهم أنه لا يجوز لمسلم أن يعصي الله بركوب ما حرم عليه للتقية، ولا يضيع ما أوجب الله عليه للتقية، إلا أن يحال بينه وبين الفرائض، مثل الصلاة فإنه يصليها كما أمكن له من الصلاة، ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا حيل بينه وبينها» (2). وأشار إلى ذلك أبو العباس فذكر أن الإباضية اختلفوا في الجماع في رمضان، فمنهم من جوّزه في حالة الإكراه الملجئ، ومنهم من أبطله، وأما الأكل في رمضان فجائز على التقية، فلو أكره على الجماع أو الأكل في رمضان فإنه مخير بين الرخصة والعزيمة، فإن أخذ بالرخصة فجائز؛ لأنه معذور، وإن مات على دينه فمأجور (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 192/ 1.
(2) ابن جعفر: الجامع، 503/ 3، 504.
(3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي
مسألة،
ص 143.