الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٠480
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما السالمي فقد اعتبر الأخذ بالرخصة في حقوق الله كالعبادات عند الإكراه أولى من الأعذار الأخرى الجالبة للتيسير، كالمرض والسفر، وهذا ما يفهم من عبارته، حيث يقول: «فقد ثبت الترخيص في أمور الصلاة والصوم ونحوها بأعذار دون الإكراه، كالسفر والمرض والخوف ونحو ذلك، فثبوت الترخص في الإكراه أولى؛ لأنه أشد من السفر والمرض وهو نوع من أنواع الخوف الشديد، فينبغي أن تثبت فيه رخص الخوف» (1).
النوع الرابع: أفعال لا تباح بحال ولا يرخص فيها أصلاً لا بالإكراه التام ولا بغيره، كالقتل بغير حق، والاعتداء على عضو من الأعضاء، والزنا، وضرب الوالدين أو أحدهما، فالفعل هنا لا يباح الإقدام عليه، ولا ترفع المؤاخذة ولا الإثم لو فعل مع الإكراه؛ لأنه قد تعارض هنا مفسدتان، روعي بارتكاب أخفهما، فقتل المسلم أشد من تهديده بالقتل، ولو قُتِل في هذه الحالة كان مأجوراً، ولو قتل كان ظالماً.
أشدهما
ويشير ابن بركة إلى هذه الصورة فيقول: «فإن أمره الجبار بضرب رجل أو قتله، وقال له: إن لم تقتله قتلتك هل له أن يحيي نفسه بهذا الفعل؟ قيل له: ليس له أن يحيي نفسه بتلف غيره، ولا يفدي النفس بمثلها، وإنما يجوز أن
يفديها بدونها (2).
لكن لو قتل في هذه الحال هل يقتص منه أو من المكره أو من كليهما؟ المسألة محل خلاف بين الفقهاء. قال محمد بن جعفر في معرض حديثه عن التقية من الجبار إذا أكره على فعل محرم، فما كان من العمل فإنه يقال: إنه غير معذور فيه، وذلك أنه يقول له: اقتل هذا الرجل وهو له ظالم، أو ازن بهذه المرأة وهو كاره، أو اشرب الخمر، أو كل لحم الخنزير، وإلا قتلتك، فهذه الأفعال ونحوها هي العمل، وقالوا لا عذر له أن يفعلها؛ لأن التقية تجوز في
(1) السالمي: طلعة الشمس، 272/ 2.
(2)
ابن بركة: الجامع، 191/ 1.