الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨١الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
481
القول لا في العمل» (1)، فإن بلي بفعل شيء من ذلك فقد أخطأ، وتجزيه التوبة، إلا حقوق العباد من ذلك، فإنه قيل أنه يضمنها.
قال أبو المؤثر رحمه الله: «هو كما قال محمد بن جعفر، إلا أنه قد بينا القول في الخمر ولحم الخنزير والميتة والدم، أي أنه يجوز فعلها عند الضرورة والإكراه، ولا يأثم صاحبها.
أما ما يترتب على فعل الزنا فقد وقع فيه خلاف؛ لأن فيه حق الله وحق العباد، ونقل ابن جعفر عن بعض أهل العلم أنه إذا أمر الجبار رجلاً أن يزني بامرأة، فزني بها لما أجبره على ذلك، أنه يلزمه عقرها (تعويض مالي) ولا حدَّ عليه؛ لأن هذا حق الله، وهو مرفوع عنه، ويعذر فيه ويؤخذ بالعقر؛ لأنه من حقوق العباد. قال أبو الحواري: «وقد وجدنا في بعض الآثار أن عليه الحد، والقول الأول أحب إلينا وبه نأخذ» (2).
ويضيف ابن جعفر: «وأما الذي أكره على الزنا بامرأة مستكرهة ففعل، فعليه العقر وهو آثم في فعله، وأما الحد فالله أعلم، ولو أقام عليه الإمام الحد ما عنّفته، وأما المرأة فلا حد عليها ولا إثم إن شاء الله، وإن استكرهه على الزنا وهي مطاوعة فعليها الحد والإثم ولا عقر لها، وهو آثم، والحد على ما وصفنا» (3).
والذي عليه جمهور الفقهاء أن الإكراه التام على الفعل يعتبر شبهة تدراً بها الحدود؛ لأن الحدود جعلت للزجر ولا حاجة للزجر عند الإكراه، وذلك يظهر أن المباح غير المرخص فيه، فلو زنا تحت الإكراه التام فإنه يسقط عنه الحد للشبهة لكن لا يرفع الإثم، وقد أكد ذلك ابن بركة في قوله: «فإن كلفه (الجبار) بالزنا وخاف القتل إن لم يفعل؟ قيل له: لا يجوز
(1) ابن جعفر: الجامع، 503/ 3.
(2) ابن جعفر المصدر نفسه، 3/ 505 - 506.
(3) ابن جعفر نفسه.