القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٨٣

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

483

فالفعل عندهم محرّم ولكن يسقط الإثم، كقذف المحصنات وشرب الخمر لإساغة الغصة أو إزالة العطش الشديد، والتجسس، ولعل أبا العباس نظر إليها من جانب ما يترتب عليها من المفاسد، أشد من المفسدة الحاصلة من هلاك فرد واحد من الجماعة، ولا ريب أن في هذه النظرة بُعْدًا مقصدياً قد يغفل عنه الكثير، فحفظ مصالح الجماعة أولى من حفظ مصالح الفرد عند تعارض مفسدتين، فإننا نقدم أخفهما على أشدهما كما يقرر ذلك الفقهاء. وقد أخذ الفقيه باجو برأي أبي العباس ورجحه، ولم يسلّم بالرأي الآخر،

هو

ولعل ذلك هو الأعدل والأقرب للصواب فيقول: «والذي يبدو لنا راجحاً. الرأي المانع للعلة التي للعلة التي أوضحناها، وهي أن حفظ النفس من المقاصد الكبرى للشارع، ولكن لا يجوز لأحد أن ينجي نفسه بالتضحية بنفس بريئة، وهو ما حدده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»). وكذلك حفظ أعراض المحصنات وحرمة الفتوى بغير حق، وتقوية العدو بالسلاح كلها لا تستباح بحجة حفظ نفس الإنسان؛ لأنها مقدمة في الاعتبار لمساسها بالصالح العام للمجتمع، وهذا أولى من مصلحة إنسان واحد يهدد بالقتل فيصبر ويذهب إلى ربه شهيداً.

ولأنه يتسامح في حق الله ما لا يتسامح في حق العباد، إذ حقوق الله مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاححة، فالقياس على الكفر قياس مع الفارق). فقذف المحصنات بالزنى قد يؤدي بهن إلى قتلهن حفاظاً على الشرف والعرض، فيكون بذلك قد نجي نفسه من الموت وتسبب في قتل نفس بريئة، ولا يجوز ذلك شرعاً؛ لأن دماء المسلمين الأحرار متكافئة ومتساوية.

(1) رواه أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث خالد بن عرفطة، رقم 22552، والحاكم في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، رقم 8578، عن خالد بن عرفطة. والحديث حسن

باعتبار كثرة طرقه و «بعضها يقوي بعضاً». العجلوني، كشف الخفاء، 1017/ 2.

(2) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 756 - 757.