تأصيل مسائل الحج عند الإمام جابر بن زيد وتلامذته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تأصيل مسائل الحج عند فقهاء المدونة لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١١

كذلك نجدهم قد اختلفوا –بسبب اختلاف الروايات– في بعض المسائل التي تتعلق بالمحْرِم، فالله سبحانه وتعالى منع من قتل الصيد للمحرم عندما قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)) المائدة:95، وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً)) المائدة: 96، في تلك الآية يبيَّن الله سبحانه وتعالى أنه لا يحل مطلق الصيد، وهنا يقول بأنه حُرِّم صيد البر، فما المقصود بصيد البر؟ هل هو الاصطياد أو المصطاد؟ فالعبارة تحتمل المعنيين؛ لأن الصيد في الأصل هو مصدر، لكن قد يكون المصدر مستعملاً بمعنى المفعول، فيقال للمصيدِ صيدٌ، ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)) أي ما اصطدتموه من البحر، وطعامه ما قذفه البحر إليكم، ((وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً))، فهل معنى ذلك أنه يحرم الاصطياد فقط؟ أو يحرم أيضاً أكل ما صيد ولو كان قد صاده مسلم آخر؟ هذه مسألة دخلها الخلاف بين السلف، واختلفوا أيضاً هل يحرم عليه ما اصطيد لأجله فقط؟ أو إن كان لم يُصَد لأجله فهو لا يحرم عليه؟.

هناك روايتان رواهما الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله مع بقية كتب الحديث، إحداهما تذكر أن رجلاً أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً بالأبواء(1) فرده عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجهه قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون))(2) .

وذلك يعني أن من كان محرماً فإنه لا يحل له أن يأكل الصيد ولو صاده غيره، ولم يأتِ في الدليل هنا بأن هذا الرجل صاد هذا الصيد للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وإنما الدليل على إطلاقه.

(1) الأبواء: اسم موضع بين مكة والمدينة.

(2) المسند:436.

١١ / ٢٣