تأصيل مسائل الحج عند فقهاء المدونة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣لذلك نجد أن الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله عندما يتحدث عن العبادات يقسمها إلى أقسام، منها ما يتعلق بجانب البدن، فيتحدث عن الصلاة؛ بأنها وإن تكن ترهق البدن، إلا أنها تريح القلب؛ لأنها تفتح أجواء للروح تنشط من خلال أدائها، وبهذا يكسب البدن أيضاً راحة من راحة الروح والقلب، إلا أنها لا تُرهق المال بشيء بل يبقى وافراً، ومنها ما يتعلق بالمال كالزكاة فهي عبادة مالية تطهر النفس البشرية من الأطماع وحب المال حبًّا جمًّا، الذي يحولها إلى ما يشبه السباع عندما يستحكم هذا الحب في النفس، لكنها لا ترهق الجسد، ومنها ما يتعلق بفطم النفس عن شهواتها وهي عبادة الصيام، فالإنسان عندما يصوم يفطم نفسه عن شهوة الطعام والشراب وقضاء الوطر بين الرجال والنساء، ومنها ما يمنع الإنسان من كثير من الممارسات، ويجعله يستعلي على عواطفه ورغباته، فيخرج من بلاده وأهله ليتجه إلى الله سبحانه وتعالى مؤدياً لهذه الشعيرة، مرهقاً في ذلك جسمه وماله معاً، وهذه هي عبادة الحج.
وبسبب تأثير هذه العبادة على الجسم والمال، مع فطم النفس عن كثير من رغباتها خلال ممارستها؛ رأى الإمام أبو الشعثاء بأن أداءها من أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى، ويعني بذلك بعد أداء الفرائض، فلا معنى لأداء الإنسان لعبادة الحج وهو مضيِّع لصلاته، أو مانع لزكاته، أو مقصر في صيامه، فقد روي عنه رحمه الله أنه كان قال: (وجدنا العبادة في أربعة أشياء: أما الصلاة فتنهك البدن وتنعم القلب وتعفي المال، ووجدنا الزكاة تعفي البدن وتنهك المال، ووجدنا الصوم ينهك البدن ويعفي المال، ووجدنا الحج يتعب البدن وينهك المال ويشعث الرأس ويسفع الوجه ويمنع من كثير من اللباس والطيب والباه(1) ، فأرى ذلك كله أفضل الأمور الحج؛ لأنه يجمع تعب البدن ونفقة المال)(2) .
(1) الباه: النكاح
(2) خميس العدوي؛ كتاب الحج الأول، نقلاً عن مناسك الحج؛ أبو طاهر الجيطالي، نسخة إلكترونية.