تأصيل مسائل الحج عند الإمام جابر بن زيد وتلامذته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تأصيل مسائل الحج عند فقهاء المدونة لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٤

الشرع قواعد منضبطة لكنها تحتاج إلى وعي بها:

فبهذا بيّن أن هذه العبادة عبادة محببة إلى الله سبحانه وتعالى، لها أثر كبير على نفوس العباد، فهي تغرس فيها الطاقات النورانية التي تمحق ظلمات طبع النفس البشرية، ولا ريب أن هذا مستلهم من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مع إحكام العقل، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الناس يتفاوتون في فهم أحكامه، وحِكَمها التي تنطوي عليها، بقدر ما آتاهم من الذكاء والفطنة، وهذا ما يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بالتبليغ؛ إذ قال عليه أفضل الصلاة والسلام وهو بمنى: ((رب مبلَّغ أوعى من سامع))(1) أي ربما بلّغ مبلِّغ حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيره فيكون ذلك المبَِّلغ أوعى ممن سمع الحديث سماعاً مباشراً؛ بسبب ما آتاه الله سبحانه وتعالى من توقد الفطنة وفرط الذكاء؛ حتى يستطيع أن يستلهم ما لم يُستلهم من قبل من معاني النص الشرعي.

كذلك جاء في الحديث الآخر: ((رب حامل علم ليس بعالم ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه))(2) ، فقد يحمل الإنسان فقهاً بحيث يحفظ المسائل والنصوص ولكنه ليس بفقيه؛ لأنه لم يستطع أن يدخل بعمق فكره إلى الحقائق التي تنطوي عليها تلك النصوص، ولم يستطع أيضاً أن يُقيِّد هذه النصوص بالقواعد الأصولية التي تمكّن الإنسان من فهم مقاصد الشرع حتى يضع كل شيء موضعه، فإن القدرة على استنباط الأحكام الشرعية إنما تتوقف على هذه القواعد المنضبطة التي يُرجَع إليها في فهم الأحكام الشرعية، وفي ترجيح بعضها على بعض.

العبادة ثمرتها التقوى التي تعني جماع كل خير:

(1) مسند الشهاب: ج2، ص306، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، العريس للكمبيوتر.

(2) المسند/906.

٤ / ٢٣