تأصيل مسائل الحج عند فقهاء المدونة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦وقال تعالى: ((وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) البقرة:203، وقال: ((وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) الحج:32، وقال في البُدْن التي تُراق دماؤها هناك: ((لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى)) الحج:37، إذن فالغاية من هذه العبادة المقدسة إنما هي تقوى الله سبحانه وتعالى، ولا ريب أن ممارستها على النحو الشرعي يؤدي إلى ذلك.
ثم نجد أيضاً بأن هذه العبادة فيها ربط بين العباد، وهذا شأن جميع العبادات، ولكن بقية العبادات تربط بينهم على مستوى محدود؛ لأن الذين يلتقون في ظلالها هم جماعات محدودة، كالصلاة التي تقام جماعة، والصيام الذي هو رابط بين العباد لما يُذكيه في نفوسهم من جذوة العاطفة الجياشة تجاه المحتاجين والفقراء، وكذلك الزكاة، أما الحج فإنه يجمع بين عدد هائل من عباد الله الذين يفدون إلى العراص(1) الطاهرة من أصقاع الأرض، كل فئة منهم تمثل أمة كبيرة، فيؤدي الالتقاء بين هذه الوفود –التي تأتي من جهات مختلفة وبقاع متباينة، وهي على اختلاف في أشكالها وألوانها وألسنتها –إلى الترابط وحسن الصلة وفهم كل أحد ما عند غيره؛ بحيث يمكن أن يتعاون الناس جميعاً على الخير، وأن تكون مشاعرهم منسجمة، يشعر كل أحد منهم بالآلام التي يعانيها غيره، كما يشعر بالفرحة والبهجة عندما تكون أحوال الأمة مثيرة للفرح والمسرة؛ لأنها تجري وفق مبتغاها، وهذا قد دلّ عليه قوله سبحانه: ((لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)) الحج:28.
(1) عَرْصَةُ الدار: وسطها، والجميع العَرَصات والعِراص. معجم العين؛ الخليل بن أحمد، باب العين والصاد والراء، الجامع الأكبر. والمقصود هنا الأماكن المقدسة.