الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٠

بوارق» شوحه ومراتع فرائده وخرائده؛ لأكتشف متأخراً أنَّ ما غرَسَتهُ تجربته العَمِيقة من ظِلال لم تَبهُتْ - كما اعتقدت ـ بفعل الزمن؛ بل انصقلَتْ بِرَويَّة، ودأبت تشرئب، كما لو بصبر الصَّيادِ واصطباره على مفاجأة الخاتم الخَبِيءِ - تلك التي تحدث عنها ياروسلاف سيفرت، كما أسْلَفت. فهي ظلال ظلت تحفرُ يَقينها في شُكُوكِ يَقيني، ولم تَنِ تنحتُ فيَّ زمنين تقاطعا وتوازياً ليتلازما فيما بعد زمن الشيخ» و «زمن الغُلام»، تماماً كما كان دَأْبُ حَادِي بَوَارقهما المِرْنان في صدى الذاكرة التي تقاطعت في ذاكرة الصَّدى ونسياناتها الدَّهريَّة؛ كأنما لأغفو وأصحو ذات غبشةٍ تُحاولُ أنْ تَدَّارَكَ المفاجأة الذهبية وهي تحيط أصبع الصياد، بالنداء الكامن في بطن سمكته؛ سمكة الاستعارةِ السَّباقة إلى لعبة وُثْقَتْ في وثائق الأصل المنسي وأصائله المُنتظِرَة لسُفور لحظة إشراق مُلهِمةٍ قادتني. اقتادتني، بالأحرى ـ إلى لقاء حان وآن بعد نُضج التجربة واختمارها حياةً وشعراً وأفقاً ورؤيا، كما أراها اليوم بجَلاءٍ وَضَّاح.

هل أخلط الذاتي بالمَوضُوعِي في هذه المقدمة؟ بالأحرى، هل أُخل ببعض شروط التقديم؟ .. نعم. ولحسن الحظ - مَرّةً أخرى ـ يبدو أنني أفعل ذلك، لأكثر من سبب:

تأخري ـ قبل سائر الأسباب ـ في الانتباه إلى أهمية مُنجز أَبي مُسْلِم الشعري، رغم حسنة فراري المُتأخر إليه قارئاً باستبصارٍ ثمرَةَ النُّضج وَظَلَّتها الملازمة: المسؤولية، لا سيما بعد تأكدي من أن المُتاح وَالمُتداول من مُتُونِه الشعرية - ناهيك عن شواهد هَوامِشها وإضاءاتها الفكرية والعقدية - أقل في مَرارَةِ الأمر من حقيقة زائفة كسمكةِ صَيَّادٍ نفقت قبل اصطيادها: ألا وهي شيوع اسمه المحبوب وذيوعه في آذان مواطنيه التي لم تُشنّف إلا بالسَّماع الطَّرِب إلى

أقل القليل من شعره (المُغيَّب زَكِيُّهُ وَنَفِيسُهُ) عَنْ فَرَائِدِ وَجَوَامِعِ ذَاكِرَاتِهِم الجمعية والفردية، على مِحَكِّ الحَدين: المُفارق والسواء.

10