الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٩

مما ينبغي خلال رحلتي المُتأخرة والساذجة - بطبيعة الحال ـ لمحاولة اصطياد سمكة الشعر بسنارته.

أَتوَكَّاً على هذا القول، لأنني لا أتقوَّلُهُ اصطياداً متأخراً في بركة ماءٍ عَكِرٍ قلما يحظى الصيادُ العَجُول منها بسمكة الأمثولة، فكيف بالخاتم الذهبي في بطنها؟ بالأحرى؛ أقوله انسجاماً مع صوتِ حنجرتي التي متحَتْ أَوتار حِبالها الشعرية من أب خالص الأبوة لي، لجيلي، ولأولئك الذين سيتعثرون، لاحقاً، بتقدس صوتِ إلهيَّاتِهِ، ومَدائحِهِ النبويَّة المُثيرة لجَدَلِ العلماء والفقهاء، ناهيك عما أدعوه ثورة استنهاضه الشِّعْرِي القَمِين به وَحدَهُ دُون سِواه؛ فَقُدرَة النص على الصمود في وجهِ الزَّمَن وَوِجْهَتِهِ هِيَ - كما نعلم ـ كامنة في قُدرَتِهِ الاستعارية، ليناً وقسوةً، فيما تَرُومُ إنفاذ سَهُم دَيمُومَتِهِ في قلبِ الزَّمَن.

[2]

زمنُ الشيخ وزمنُ الغُلام

ربما كان علي العودة بالزمن نحو ربع قرن إلى الوراء لتوضيح علاقتي بشعر أبي مسلم؛ ففي وقت مبكر من حياتي، كُنتُ قد تَعَرَّفتُ على شعره معرفة أستطيع وصفها اليوم بأنها في العُمق كانت معرفة «سطحية»؛ إذ لم أكترث لأهميته آنئِذ لأسباب وأسباب تَدَاخلَ فيها الذاتي بالموضوعي، لا سيما في مرحلة انهمامي بتفحص طرائق الكِتابة الشعرية الحديثة (1)، لأنقطع عن أثره الشعري اللافت في حياة الشعر ودروبها المتشعبة في شعر

الحياة.

وهي دُرُوبٌ جَرَفتني، حقيقةً، نحو مضارب شعرية بعيدة عنه وعن

(1) أتحدث هنا عن بدايات تعرفي إلى تجارب رموز الشعر العربي الحديث: نزار قباني، أمل دنقل، بدر شاكر السياب سعدي يوسف محمود درويش خليل حاوي .. وآخرين.