Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٣ليس لدى «الأطراف» المُشار إلى تعاملها مع تُراثه آنفاً، فحسب ـ بل لدى شرائح عريضة من متذوقي شعره التي قد لا تتقبل أقانيم وأنماط تفكيرها مسألة اجتراء «حَدَائي» على رَمز صُوفي دِينيّ، وَطَني واستنهاضي كأبي مُسلم.
لا بأس، ولا ضرر من ذلك ولا ضرار.
وبالتأكيد لن يُدهشني شريط السيناريو» المتوقع لردود أفعال هؤلاء وأولئك؛ لأنَّها مُتوقعة سلفاً؛ ولسبب إجرائي واضح لا لبس فيه؛ هو أَنَّني عُرفتُ شاعراً «غير تقليدي»، (إنْ) صَحَ التخفَّف من ثقل «تعريف» متداول). لكنني، في حقيقة الأمر، لم أستنكف البوح عَلَناً بأنَّ ولعي بأبي مُسلم قديم قدَمَ حُبي للشعر في رَعَوِيَّةِ مُتونه الأولى وعفويتها التي رُبِّيتُ عليها بيتاً بيتاً، ناهيك عمّا أدعوه «تَمَدينَهُ وتَحَضُّرَهُ الذي رَبَّيتُ صِفة ذاتي وذات صفتي عليه بين أترابي وأقراني من الشعراء العُمانيين (1) الذين انتهجوا ـ على ما بدا من ظاهر اغتراب وإغراب قصائدهم - ذات النهج الذي انتهجته ينابيع أُبوتِهم الشعرية المُتحققة سلفاً في مَهَاجر أخرى على غرار مَهْجَر أبي مُسلم) المؤصل لريادة شعرية خالصة كانت طيّ اللامُفكَّر فيه حتى بالنسبة له، تماماً
(1) في اعتقادي أن شرارة الإبداع الشعري وتوقده اللهاب في لغة شعرية مغايرة تماماً للمعهود في تجربة أبي مسلم الريادية لم تتحقق في تجارب المعاصرين واللاحقين له من الشعراء الكلاسيكيين، قدر تحقق ريادتها الشعرية في نقيضها [الشكلاني] المتمثل في تجربة شعرية أخرى متحت ظلالَ عُصارَتها الشعرية من عُمقِ تجربته الرائدة، وإن تَمَرأتُ وتمظهرت في قالب شعري نقيض لتجربته. فتجربة قصيدة النثر التي انطلقت في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم وهي تجترح لغة تعبيرية صادمة لم تعهدها ذاكرة المكان، كانت وستظل - في تواضع اعتقادنا - أوفى حَفيدٍ شعري تمثل تجربة أبي مُسلم في أبعادها الثلاثة: الريادي والمهجري والتجديدي، على حد سواء. لكنَّ المُفارق، بل المُحزن ـ في سياق كهذا ـ أن تجربة قصيدة التفعيلة المعاصرة (وهي الأقرب إليه مناخاً ماتحاً مِنْ أَردانِ تجربته)، لم يُقدَّر لها الاستفادة بما يكفي من إرثه الشعري، لتسبقها مُفارقة تراكم تراثه الشعري، كما قد يُلاحظ الناقد الشغولُ والمُدقق في المرجعيات الشعرية التي كؤنت خصوصية وفرادة القاموس الشعري والتخييلي لشعراء قصيدة النثر المؤسسين.
23