Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٢الملاحم والأساطير اليونانية، عدا أنه سيكتشف في آخر المطاف، مدى يقين الشاعر بصحة اعتقاده.
وهي لعمري من أفضل ما كتبه شاعر ضمن ما يُصنَّفُ «مدائحَ نَبويَّة»، لأنها خارقة شعرياً وملحمياً - إن صحت الاستعارة - بل إنها مُستفِزَّة للذائقة الطروب إلى المُتعارف عليه آنذاك. والدليل المَاحِق على استفزازها البعض، هو قلة انتشارها وترديدها بين معجبيه ومُريديه ومحبيه. فنحن لم نسمع عن استخدامها مادة للترداد في الأناشيد النبوية، رغم أنها تحتوي كافة عناصر الأسطرة في خلق النبي محمد (ص).
وفي اعتقادي أن المُبالغة - المُدعمة ببراهين شعرية ـ حول استعادة أبي مسلم أساطير خلق خاتم الأنبياء واستدعائها واحدة بعد أخرى، لدرجة الإفصاح في إحدى قصائده أنَّ قضية خلقِ الكَونِ (بكافة عباد الخالق ومخلوقاته غير العاقلة بما في ذلك الأنبياء)، ليست إلّا تعلّة منطقية للظهور الأرضي لسيد الخلق وخاتم الأنبياء!
فهو يقترح في قصيدته النشأة المُحمَّديَة المُرحبة بمقدم خاتم الأنبياء فكرة خلق الوجود قاطبة لأجله، كما في هذا البيت: أهلاً بمَنْ خُلِقَ الوُجُودُ لأَجْلِهِ سر الوُجُودِ وَفاتحُ الأَقْفَالِ ولا يكتفي بذلك إلماحاً، بل إنه يُسبغ على شخص [المُصطفى] صفات اختصَّ بها الخالق وحده ليسترسل في مُغامَرَة ترحيبه بالرَّسُول الذي أغنى العالمين بكرمه دنيا وآخرة، فضلا عن يقينه بأنَّ حظوظهم مقسومة بيديه، قبل أن تكون قسمة الحظوظ في يد بارئهم: أهْلاً بِمُغْنِي العَالَمِينَ بِجُودِهِ دُنْيا وَأُخْرَى غُنْيَةَ المِفْضَالِ فَعَلَى يَدَيْهِ حُظُوظُهُم مَقْسُومَةٌ حتى السعَادَةُ قِسْمةَ الأَنْفال وَعَطَاؤُهُم مِنهُ عَطَاءُ مُبَرِّرِ وَحُقُوقُهُم مِنهُ حُقوقُ عِبَالِ
32