الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٦

مباشرة عن كفريات الشيخ أبي مسلم كان الأجدر به ـ وهو العَالِمُ العَلّامة والفهيم الفهامة - أنْ يَرُدَّ عليها بميزان، عِلمِهِ لا بميزان تقيَتِه ومَظَنَّتِه.

وبالنسبة للمسألة المتعلقة بمدائحه النبوية؛ فإنني أجد نفسي منسجماً (على الصعيد الشعري خصراً وتحديداً) مع شطح أبي مسلم وتفسيره الأسطوري لفكرة الخلق، لدرجة اقترابه من حواف الخرافة، لا سيما في اعتقاده بأن خلق الكون برمته ليس سوى مقدمة وتهيئة ربَّانية لخلق سيد الخلائق وآخر النبيين محمد (ص). ومنبع انسجامي مع رؤيته الشعرية هو اعتقادي بحلول أبي مسلم في حَل توافقي لأسئلته الوجودية المُستغلقة؛ تلك التي لم يجد لها أجوبة شافية في حلول المتصوفة ينسجم ويتقاطع مع التزامه العقدي بالمذهب الإباضي فأطلق عنان مُخيلته الجامحة في موضوعة لا تشوبها، ظاهرياً، شائبة: مديح المُصطفى المُختار. لكننا إذا ما نظرنا إلى تلك المدائح بعين

هي

ناقدة

الخالق، فلقد وقر في نفس الشيخ منذ نعومة أظفاره، بأنه لا يجوز له شرعاً اختراق مجلس النساء»! الموقف الثاني: يُشيرُ بغرابة أكبر إلى نبوغه المُبكر، بل وإلى علمه الفطري بأحكام الشريعة الإسلامية. فعندما ناهز عمره [أي عُمر الشيخ أحمد الخليلي] الأربعة أعوام تقريباً، اصطحبته أمه إلى موقع في الخلاء، تحت ظلال الأشجار، لحظور [هكذا في الأصل، والصواب لحضور حفل كان قد أقيم بمناسبة المولد النبوي الشريف. جلس الرجال في جانب، والنساء في جانب آخر، كما عادة العُمانيين، المستقاة من أحكام الشريعة. ونظراً لكون والد شيخنا لم يحضر معهما ذلك الاحتفال؛ لانشغاله في طلب الرزق في مكان بعيد عن ا الحلة؛ فقد تبادر إلى ذهن الغلام [أي الشيخ أحمد في عُمر أربع سنوات] ما إذا كانت والدته استأذنت والده بالخروج من عدمه. نقل الغلام التساؤل إلى والدته، فأجابته: بأنَّ بُعد والده عن الحِلَّة [حِلَّة Mfenesini في اللغة السواحلية، أو الفنسَة، كما يدعوها العرب]، حال دون الاستئذان موضحةً له بأن أباه ما كان ليمنعها عن الخروج لحضور مثل تلك المناسبة الدينية، لو كان موجوداً. لم يقتنع الغلام بهذا التبرير الافتراضي، فانفجر في بكاء مرير لم يُهديه ويعيد الإبتسامة والبشاشة إليه، سوى عندما قررت أمه الانصياع إليه وترك المناسبة فوراً، والعودة معه إلى المنزل. ظِلالُ تعليق: بالتأكيد لا تعليق لدينا على مثل هذه الخوارق التي اختص الله بها بعضاً من أنبيائه، وليس جميعهم، ولأغراض إقناعية في مواجهة مناوئيهم.

36