Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٧متفحصة لاستطعنا استشفاف طبيعة الأسئلة الوجودية التي كانت تؤرقه، لنكتشف قيمتها الإبداعية، بل سرياليتها المُكثفة في شطحها عالي الوتيرة على نفر من أهل المذهب الذين تجاهلوا فيوض مدائحه النبوية إقصاء أو بتراً لها من مجموع قصائده التي أعلى فيها من شأن ذاتِ ممدوحه النبي محمد (ص)، لأنه أسقط في إِهَابِهِم إضمَامَة الشُّكوك الفلسفية التي سَاوَرَته، وإن تمظهرت مدائح نبوية صادقة حتى في شطحها الذي لم يستسغه البعض ليعتبر «كُفريَّات» لا تليق بالشيخ وقاضي القضاة أبي مسلم.
[v]
تصوفه بين حَقيقةِ المَجَاز ومَجَاز الحقيقة
قبل التطرق إلى منهاج التصوف الذي انتهجه أبو مسلم، سنفتتح هذا الفصل من المُقدمة بما أورده الناقد العراقي د ضياء خضير في كتابه: «وردة الشعر وخنجر الأجداد (1): دراسة في الشعر العُماني الحديث»: «ربما كان حريا بأولئك الذين يتحدثون عن التجربة (الصوفية) و (السلوكية) في شعر أبي مسلم أن يتحدثوا عن شعر ديني تعبدي لا عن تجربة صوفية أو سلوكية، لما نعرفه من خصوصية التجربة الصوفية والضرورات التي تجعل صاحبها منقطعاً عن العالم، مستعداً للتضحية بنفسه في بحر الذات الإلهية عن طريق الوجدان والكشف، وما يتصل بهما من تجارب وجودية حميمة لا تقبل المهادنة، ولا اللعبة الفنية والجمالية التي ينطوي عليها الشعر. صحيح أن أبا مسلم يمتلك مثل أي شاعر كبير رؤية وتكشف قصيدته كما قدمنا عن بنية وجدانية عميقة، وأن بعض نصوصه قريبة فعلاً من المنحى الصوفي، ولكن ذلك يختلف عن محاولة
(1) د.
ضياء خضير وردة الشعر وخنجر الأجداد: دراسة في الشعر العُماني الحديث، وزارة
،
التراث والثقافة، مسقط ـ 2006 م، طا.
37