Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٨المتصوفة الدائمة الذوبان في بحر الذات الإلهية وحشد الطاقة الروحية من أجل الانجذاب نحو ما هو مطلق. في حين أن الرجل ينطلق في تجربته الدينية من جوهر إسلامه الحنيف وتقاليد مذهبه الإباضي خاصة ومن شخصيته المتفردة بوصفه رجل دين وفقيها زاهدا ورعا وبعض أشعاره في هذا الجانب مجرد أدعية وأوراد وتسبيحات لا تهمه فيها طريقة النظم ونوع الكتابة الشعرية قدر اهتمامه بهدفها ودلالتها التعبدية. لقد تأثر أبو مسلم بمصطلحات الصوفية ومناهجهم في الكتابة الشعرية، وكان مثاله في ذلك هو سعيد بن خلفان الخليلي المتأثر بدوره بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي في هذا الجانب. غير أننا نعتقد أن أبا مسلم يتشبه بالصوفيين أكثر من كونه، صوفيا، ليس فقط لأن ذلك يتناقض كما قلنا مع مذهبه الإباضي الذي لا يرتاح أصحابه إلى التصوف بمعناه الذي يتجاوز الزهد والنقاء الروحي، وإنما أيضا لأن أبا مسلم لم يكن رجلا منقطعا عن الدنيا بل كان قاضيا ورجل دولة فترة طويلة من حياته وكتبه الفقهية العديدة التي ألفها أثناء ذلك وبعد خروجه من الوظيفة تشهد على التزامه بعقائد السلف الصالح والسنة المحمدية المطهرة التي لا مجال فيها للشطحات والمبالغات الخاصة بوحدة الوجود ومحاولة الاتصال بالذات الإلهية عن طريق الوجدان والكشف. لقد ورّط أبو مسلم، إذا صح التعبير، الألفاظ والمصطلحاتِ الصُّوفية أكثر من السلوك والموقف».
أوردنا هذه الفقرة لأهميتها، من كتاب د. ضياء خضير المُشار إليه، لأنها تُمثلُ رؤية نقدية لافتة كادت تجعلنا نعتقد بأنه واع بمسؤوليته النقدية والتاريخية. والحقيقة أنه لا بُدَّ لنا من التنويه والإشارة إلى أنَّ ما طرحه د. خضير، في كُلِّ الأحوال، مُتقدم نقدياً فيما لو قُورِنَ بسَابقيه حول تقييم أبي مسلم واعتباره متصوفاً أم لا؟
لكن اتفاقي أو اختلافي حول طرحه لا ينطلقان، إطلاقاً، من أقنومي الاختلاف أو الاتفاق معه حول تجربة أبي مسلم؛ بل من صميم نُصوصِهِ التي
38