الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٠٢

لا تدَّعِي هَتْكَ الجَلالِ بِرُؤيةٍ خشب العُقُولِ مِنَ المَقامِ المَعْرِفَة أَنصِرْ مَطَامِعَكَ التي طَوَّلْتَها إِنَّ المَطَامِعَ في مُحَالٍ مُخْلِفَة أنصف حقيقةَ لَنْ تَرَاني»، تلقها تفياً يؤيد قاطِعَ المُتشرفة وَانْظُرْ إلى الشَّانِ المُحَالِ وُقُوعُهُ إذ بالمُحَالِ تُبُونَهُ قَدْ أَوْقَفَهُ لو جَازَ، لَمْ يَكُ بِالمُحَالِ مُعَلِّقاً كلا، وَلا صُعِقَتْ يَهُودُ بمُرْجِفَهُ قد كان في العِلْمِ القَدِيمِ بأَنَّهُ لا يَسْتقِرُّ الطُّورُ سَاعَةَ أَرْجَفَهُ (1)

?

=إياها، وقال الليث: القَرْقَفُ: توصف به الخمر ويوصف به الماء البارد: قال الفرزدق في وصف ما بدا أنه الماء: ولا زادَ إلّا فُضْلَتانِ سُلافَةٌ | وأبْيَضُ من ماءِ الغَمَامَةِ قَرْقَفُ». فقال الأزهري [مُوضحاً مقصد الفرزدق]: هذا وَهُم في البيت تأخير أريد به التقديم، فالمعنى: سُلافةٌ قَرْقَفٌ وأَبيض من ماء الغمامة. وقال ابن عباد القُرْقُوْفُ: الخمر. وقال الليث: يُسَمَّى الدِّرْهَمُ قُرْقُوْفاً، فقال السَّاجع: أبيض تُرْقُوفٌ؛ لا شَعر ولا صُوف؛ بكُلِّ بَلدٍ يَطوف وعَنى به الدِّرْهَمَ الأبيض || توضيح: استعارة الشاعر في هذا البيت لوصف شهداء معركة النهروان مأخوذة من قاموس الخمريات في التراث الشعري العربي إلى جانب الأبعاد الرُّوحيَّة للمُصطلح في أدبيات المُتصوّفة، ناهيك عن ورود مفردة: «أمزجة»، فهي بدورها مُستعارة من تمازج الماء بالصهباء، ومُفردة: «الرحيق» بدلالتها التي تخفى. [تفضيح: للأسف حُرِّفَ هذا البيت واستُبدِلت: «مُقزقفة» بـ «مُقرَّفة»، ضرباً بمقصد الشاعر العميق، ونُسبت إلى (القرفة) التي شُرِحَت في [حَوَاشِي بعض شُرَّاحِ أبي مسلم] على أنها مادة يستخرج منها العطر!، رغم أنها، في الحقيقة، بَهَارٌ يُنكه به الطعام! … والتحريف نابع، كما يبدو، من تخوفِ شبيبة الأباضيَّةِ الجُدد على استقامة أبي، مسلم كما تراها ذائقتهم وأخيلتهم، لا كما يراها - رحمه الله - عِلمُ أبي مُسلم الفيَّاض ومَعْرِفَتُهُ الأوسع بحدود اللغة ومجازات وموانع استخدامها. نقول هذا، فيما نتجاوز كي لا نطيل عن وُضُوح وتلازم المقصد في مفردات بعينها وردت في البيت: كأس أمزجة وقرقف التي قرفوا كما يبدو من اقتراف أبي مُسْلِم لها. لكن المفارقة المُثيرة لِكَوَامِنِ سخرية سوداء، أن موضع التحريف وقع في قصيدة يُدافع فيها أبو مسلم عن قيمة «المجاز» وطاقته اللغوية والروحية الخلاقة في ردّهِ على القائلين بإمكان رؤية الذات الإلهية بالعين المجردة، كما في تأويله المُنطلق مِنْ رُؤية نُورانيَّة ذات بعد مَجَازي مطلق، تسامياً على أنساق تفكير الإنسان ذي البغد الواحد؛ كما فصَّلَ ذلك في كتابه الموسوم بنفس الاسم؛ الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز [وهو مناضل ذو اتجاهات يسارية ويُعتبر أحد أهم الممثلين الكبار المدرسة

فرانكفورت والفرويدية الماركسية.

هي

(1) تلميح يشيرُ الشاعر هنا، إلى ما جاءَ في العِلم القديم، وهي إشارة توراتية جلية لها ما يُؤكِّدُها في القرآن الكريم. ولتوضيح البيت نستعير ما أورده الباحث فراس سواح، حول كُل من الروايتين القرآنية والتوراتية؛ حيث يقول: أعطى القرآن الكريم لأخبار موسى وقومه حيزاً في الكتاب لم يعطه لأي=

402