الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

خَمْرَة اللَّه»

نَصَبْتُ لَهُمْ مِنْ نَيْرِ الذِّكْرِ مَعْلَماً وَبَوَّأْتُهُم مِنْ أَنْفَعِ النُّحْرِ مَغْنَما وَصَيَّرْتُ نَفْسِي خَادِماً لِطَرِيقة بها هَامَ أَهْلُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَا فيا لرِجَالِ الحُب وَالكَأْسُ مُفعَم هَلُمَّ اشْرَبُوا هذا المُعَنِّى تَرَتُما عَصَرْتُ لَكُم مِنْ خَمْرَةِ اللَّهِ صَفوَهَا فمُوتُوا بها شكراً؛ فما الشكر مأثما لَقَدْ هَامَ أَهْلُ الاسْتِقامَةِ قَبْلَنا بها، فانتشوا بَينَ الخَلِيفَةِ هيما (1) تَرَاهُم سُكَارَى يَنْشُرُ الجَمْعُ فَهُمَهُم وَيَطْوِيهِ نُورُ الفَرْقِ في أَبْحُرِ العَمَى

() توضيح: تحاشى بعض المجتهدين في تحقيق أعمال أبي مُسْلِم عنوان القصيدة الأصلي: «خمرة الله»، ليصير العنوان وفق اجتهادهم: نَيْر الذِّكْر، رغم ورودها في كافة المصادر بعنوان: خمرة الله. (1) رغم أن أبا مُسْلِم لم يُصَعد في العلن تجربته الروحية لبلوغ شطحات وإشراقات المتصوفة الكبار مكتفياً في انهماكه بالأذكار والدوران في فلكها، لكننا نكاد نجزم باطلاعه على تراثهم وتطلعه لبلوغ مراحل الإنحاء الكلي في الذات الإلهية على طريقة أبي يزيد البسطامي وابن عربي والنفري، لكنه آثر، ظاهراً، اتباع التيار المُحافظ بين المُتصوّفة لدواع عقدية ومذهبية لم تمنعه ـ مع ذلك ـ من اختراق التابو Tabu في إشارات يُمكن للمتتبع تلمسها في عدة مواقع من تراثه الشعري، وما ساعده على إخفائها تضلعه في اللغة وقدرته على استخدام عبارات حمّالة أوجه. وإشارته لأهل الاستقامة في هذا البيت تُومِئ إلى تلك الفئة من المُتصوّفة، لا أتباع المذهب المُنتمي إليه سلوكاً واعتقاداً وممارسة في العلن؛ فالقصيدة تنضح بالمُفردات ذات الأبعاد الصوفية في دلالاتها، خارج سياقاتها اللغوية والمعجمية المعهودة. (2) ينشر: النَّشْر: الرّيح الطيبة؛ يَنشُره نَشْراً ونُشُوراً وأَنشره فَنَشَر الميتُ لا غير: أحياه؛ قال الأعشى: حتى يقول الناسُ مما رَأَوْا | يا عَجَباً للميت النَّاشِرِ. وفي التنزيل العزيز: وانظر إلى العظام كيف ننشرها؛ قرأها ابن عباس: كيف ننشرها، وقرأها الحسن تنشرها. والنَّشَر: القوم المتفرقون الذين لا يجمعهم رئيس. تلميح: في هذا البيت نراه يُطنب في مدح المُتصوّفة، الشكارى بالله، الذين ينشر

407