الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٤

نِسْبَةُ الحَقِّ صَرَّفتني إلى أن قُمْتُ أتلو الزبور بين الجمادِ

معقول بين

عدد «ثلاثة أبسط الأعداد في داخل الكثرة. وهذا يعني أن العدد ثلاثة» هو الشكل الأول لكل الوجود، وما من شيء يتشكل إلا منه وفيه. ففي الفتوحات كتب ابن عربي ما يلي: اعلم أن «الواحد» لا يكون عنه شيء، البتة، وأن أول الأعداد إنما هو «الاثنان». ولا يكون من الاثنين شيء أصلا ما لم يكن ثالث، يُزوِّجُهما ويربط بينهما. فالثلاثة أول الأفراد». وقد أضاف الشيخ الأكبر في الكتاب ذاته: إنَّ الموجود الأول، وإن كان واحد العين من حيث ذاته، فإن له حكم نسبة إلى ما ظهر من العالم عنه؛ فهو ذات وجودية ونسبة. ولا بد من ربط الذات والنسبة حتى تقبل الذات هذه النسبة. فظهرت الفردية بمعقولية الرابط، وكانت «الثلاثة أول الأفراد ولا رابع في الأصل. فالثلاثة» أول الأفراد في العدد إلى ما لا يتناهى». ملحوظة: كاتب هذا النصّ المُفسر لما أورده الشيخ الأكبر ابن عربي مسيحي، ومن الواضح أنه يُجيرُ ويُؤوِّلُ نَصَّ ابن عربي لصالح فكرة التثليث، لا من حيث هي (مسيحية) الينبوع، بل لجذورها الموجودة في القبالة اليهودية، كما تتجلى في أنساق الأعداد. ونحن نثبته، هنا لا لنجيّرَهُ إسقاطاً على خطاب أبي مسلم الصُّوفي بكافة أبعاده الفلسفية الموازية، بل لإثبات ما ذهب إليه أبو مسلم في أنساق بواطن باطنه التي لم يُظهرها في (الظاهر) من معتقده الذي ألزم به نفسه، وفاءً لإمامة سالم بن راشد الخروصي ومذهبه الإباضي، دون أن يمنعه البعد العقدي (الظاهر) من الغوص بعيداً في ماورائيات المُتصوفة. ليس ذلك فحسب، بل أنه جَيَّرَ بذكاء وقاد معرفته (الباطنية) ليس في إلهياته، بل في استنهاضه لشعبه ولممدوحه الإمام سالم بن راشد الخروصي في «النونية»، كما أشرنا آنفاً. توضيح مستضاف من دانييل بيرزنياك: أصل القبالة من الجذر العبري قبل «قبل». فالأستاذ، «العارف»، يمنح، والمريد، السائل، يقبل». والقبَّالي ينظر إلى نفسه بوصفه المريد السائل. القبالة [وهى مجموعة التفسيرات والتاويلات الباطنية والصوفية عند اليهود] طريقة للنظر إلى العالم، بل للنظر إلى النفس وهي ترى العالم. وهذه الطريقة) طريقة أصيلة لأنها تجمع ما بين انتظار کشف ساطع الطريقة الصوفية أو الكشفية وبين الدراسة المتأنية (الطريقة العقلية). بعبارة أخرى، فإن القبَّالي يُنمّي في نفسه فنّ المقارنة والنظر في مكتشفاته، فيما هو يستبطن خبرة الوحدة المستعادة. إنه يشغل في آن معا يضفي كرته المحية. ومن شأن هذه الرياضات أن تقيم روابط بين العاقلة والحدس والمخيلة. فطريقته عقلية وروحية في آن معا. القبَّالي يرى في الخطاب المنطوق أو المكتوب معنى يجب فك رموزه. فالسرد الكتابي، الواضح في نظر الذهن البسيط، يصير في نظره مبهما ومثقلا بالمعنى. إنه يحدس وجود «بنية» خفية ما تبطنه، مفادها أن كل ما هو متمايز وملموس ينبثق فيضا من نبع أولي قديم، غير متعين، متجانس. في العبرية، هناك كلمة واحدة تشير إلى الكلمة وإلى الشيء: دَوَر. فالأشياء غير=

44