Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٥فعلى سبيل المثال نجده في هذه الأبيات يتعالى، بل يجنح في الماوراء بعيداً عن مدرسة شيخه العالم الرباني سعيد بن خلفان الخليلي، أو الشيخ جاعد بن خميس على سبيل المثال. فهو يرى نفسه في صورة المتصوف الحَقِّ (مُنعش روح وباعث أجساد)؛ وتلك خصيصة، كما نعلم جميعاً، لا يختص بها سوى خالق مُؤلَّه، لكنها خصيصة صَرَّحَ أبو مُسلم بأنه واحد من القلة الذين أُتيحت لهم، كما أتيح له التعبير عنها بصراحة لافتة.
وكما نلاحظ، فهو لا يكتفي بإضفاء نزعَةِ المُتصوفة» التي أشار إليها في بيت آخر لم يرضَ أصحاب المذهب كثيراً عنه؛ نراه في الأبيات الثلاثة السابقة يُؤكد أنه (من حيث انتسابه إلى الله مُمثل لكُلِّ نقص المُنتسِب (في
هي
=موجدة إلا بمقدار ما تتم تسميتها والتعليم القبَّالي يسلّم بأن الكلمة تحمل الحقيقة، بأن الذبذبة اللانهائية للصوت تحمل الكون. قال الله: ليكن، نور فكان نور (سفر التكوين، الإصحاح 1: (4). الكلمة، إذن، خالقة. هل لنا أن نستنتج مما سَبَقَ أنه «في البدء كان الكلمة) (إنجيل يوحنا الإصحاح 1: 1)؟ … ليس تماما. فالبدء (رشت) كان خاويًا وصامتا. ولكن كيف انبثق، الكون، إذن من هذا الفضاء الخاوي والصامت؟ تلك المسألة الكبرى التي تشغل بال القبَّالي. بحسب اسحق لوريا (1534 - 1572)، لم يكن أول أفعال الله انتشارًا نحو الخارج - فهذه استحالة، بما أن الله هو الكل ـ، بل طي، انقباض. في البدء، لا بدَّ أن الله انسحب انطوى ميشرًا بذلك ولادة العالم، بادئ ذي بدء، على هيئة حروف الأبجدية العبرية الاثنين والعشرين. وهذا الانطواء هذا النقصان في الكينونة»، وبعبارة أخرى، هذا الخواء الميسر لشيء آخر أن يكون، يسمَّى السَمْسَمَة (تسمتشم) ـ وهو
-
مفهوم جوهري في القبَّالة. ملحوظة متممة جدير بالذكر أن موشي القرطبي (1522 1570 م، أهم أساتذة إسحق، لوريا كان من جانبه، يقول باثني عشر مستوى من مستويات القراءة. والكتابات القبَّالية لا تطرح تعليمًا عَقَديَّا؛ إنها بالأحرى، تزود بمفاتيح لفتح أقفال وأبواب. وعلى «الطالب» أن يجد الأقفال المقابلة للمفاتيح التي أُغطيها. ولهذا، ينبغي عليه أن يتدبر النص ويتفكر فيه. كان البابليون والإغريق سَبَّاقين إلى دراسة معاني الكلمات بالنظر إلى القيم العددية للحروف التي تتألف منها. وقد استدخل بنو إسرائيل هذا المنهج تحت اسم جِمَطْرِيَة [«حساب الجُمَّل»] في عهد الهيكل الثاني الذي بدئ في بنائه حوالى العام 20 ق م واستمر أكثر من 40 عامًا). والجمطرية الأشيع عبارة عن عزو القيم العددية إلى الحروف.
45