الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧

المحافظ في أذكاره التي تضمنها النفس الرَّحماني مُسايَرَةٌ لشيخه سعيد بن خلفان الخليلي (1). لكننا نكاد السُّقوط في الجَزْم بأنه اطلع عن كثب على تجارب كبار المُتصوّفة وتأثر بهم سَوَاء في أذكاره التي يلمح الدارس المتفحص لأبياتها شطحه الصوفي الماورائي غير الملتزم بتلك المدرسة الصُّوفيَّة المُحافظة، رغم محاولاته المتقصَّدَة لعدم إظهارها في «ظاهر» أذكاره تلك، لكنها تظهر وتفصح، بل تنضح بـ «باطنها في أبيات متفرقة هنا وهناك. وليس خفياً أن عُلماء الإباضية، لا سيما المُتأخرين منهم ـ كما أشرنا، آنفاً - لم تُرضهم صيغة الهيولى المُطلق في شطح مدائحه النبوية التي أطلق فيها لنفسه العنان قَصَصَاً مُمتعاً وآسِراً حول أساطير النشأة المُحمَّدِيَّة الماتحة من مذاهب «الباطن».

لأنها أفكار مستمدة، في اعتقادنا، من جذرين فكريين: كبار المتصوفة الذين أشرنا إليهم، ورؤيَةِ المذهب الشيعي متمثلاً في «ظاهره» المُفصح عنه في أفكار الأئمة الإثني عشر)، و (باطن) الفرق الشيعية الموغلة في «شذوذ» تصوراتِها الفلسفيّةِ المُخالفة للسَّائد عن نشأة الوجود وأسباب وجوده. والحقيقة أن أبا مسلم تأثر بتلك الأفكار وأفصح عنها نتاجه الشعري، لا سيما أنه احتك بعلماء وشيوخ من آل البيت (وإن كانوا شوافع تمذهباً)، إلى جانب احتكاكه بالفرقة الإسماعيلية التي لها انغراس وسيطرة ملحوظة في المحيط الفكري السائد في زنجبار آنذاك؛ وهي من الفرق الباطنية التي انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق ظاهرها التشيع لآل البيت ـ كما يرى مناوؤها ـ بعد أن تشعبت فرقها ومالت إلى الغلو والتصوُّف، لدرجة أن الشيعة الإثني عشرية يكفرونها، ولا يرون في الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق

(1) نعتقد أنَّ أبا مُسلم اختلف مع طروحات شيخه العلامة الرباني سعيد بن خلفان، في مسألة التصوف، لكنه ظل وفيّاً له ولأفكاره المُستنهضة لقيام إمامة عزان بن قيس، تماماً كما أضحى

وفياً لإمامة سالم بن راشد الخروصي التي أشعل أوارها الشيخ نور الدين السالمي.

47