Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٨(1)
عصمة سبق لوالده الصادق أن خلعها عنه، رغم أنه أكبر أبنائه، ليسلمها لأخيه موسى الكاظم بن جعفر الصادق استمراراً لمذهب الشيعة الإثني عشرية. والحقيقة أن أبا مسلم عاش في زنجبار واحتكَ بأشياخ وعلماء الإباضية، نتيجة لانصرافهم إلى التصوف، تماماً كما تعرَّف على مذاهب الفرق الأخرى. نقول هذا تحليلا موضوعياً للمؤثرات التي تشبع بها أبو مسلم، لكننا يقيناً لا نعتقد بذهاب أبي مسلم أبعد ذلك منحاه التصوفي ذاك: لأنَّه عالم في من أوصلته آفاق التصوف للأخذ والمتح من كافة المذاهب «ظاهرها» و «باطنها»، مع بقائه وفيّاً لمُعتقدِهِ الأباضي، ولا أدل على ذلك مِن مُناصِرَتِهِ الصَّريحة للإمام سالم بن راشد الخروصي، والدَّعوة الملحاح إلى إمامته في نونيته الشهيرة، وإن ضمنها (في بعض الأبيات) خلاصات فكره التَّصَوُّفي، مُسقِطاً ذلك الفكر على الإمام سالم بن راشد الخروصي وحوارييه وتابعيه، لا سيما. في حديثه عن نزوى بيضة الإسلام واعتبارها مدينة مُقدَّسة لا تقل أهميتها الرُّوحيَّة عن المُكرَّمة والنجف الأشرف ومدينتي قم ومشهد في إيران، ناهيك عن قدس المسجد الأقصى، حيث تزور الملائكة (كما جاء في النُّونية) رفات أئمة الإباضية الراحلين إدماناً منها على تلك المشاهد في حلها وتعريجها، واصفاً ذلك بروح الشاعر المتصوف: حَيثُ المَلائِكَةُ احْتَلَّتْ مَشَاهِدَهُم لهَا عَلَى الحِلِّ وَالتَّعْرِيحِ إِدْمَانُ أَرْضُ مُقدَّسَةٌ قَدْ بُورِكَتْ وَزَكَتْ تَنْصَبُ فِيهَا مِنَ الأنوارِ مُعْنانُ ما طَارَ طَائِرُها للهِ مُختسِباً لَهُ جَنَاحَان إنقَانٌ وَعِرْفَانُ
،
مكة
يمنع
(1) قدر ما نُشير هنا إلى انفتاح أبي مسلم على أكثر من مذهب وطرح فكري عقدي، نؤكد بأنه ظل ملتزماً بأصول وفروع مذهبه العقدي الذي تربى عليه؛ وهو الإباضية. لكن ذلك لا. الباحث من تأويل ومحاولة الوصول إلى أجوبة قد تُفصح عن جوانب غامضة في مسيرته الفكرية والعقدية والشعرية، تاركين السُّؤال وجوابه مفتوحين على كافة مصاريعهما، ولا نستسيغ القول ـ ناهيك عن الاعتقاد ـ بأنَّهُ رُبَّما أخذ بمبدأ الأغيار لمذهبه؛ رغم تأكيدنا. والشواهد ملقاة على قارعَةِ تُراثه الشعري - على استفادته من كافة المذاهب تديناً وتصوفاً.
48