Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٩وتأكيداً لما سبق لنا قوله في المتن أو الهامش؛ فقد كان عالماً وشاعراً متصوّفاً لم ينغلق في حدود المذهب الإباضي»، وإِنْ ظَلَّ مُخلص الوَلاءِ والوفاء له، لكنه انفتح على ما ارتأى أنه إرث معرفي حُقِّ له الأخذ منه، وإنْ كانت مصادره الفكرية أشتات مذاهب مُناوئة لمذهبه.
وما دفعه لذلك، في اعتقادنا الأكثر تواضعاً من الاعتقاد ذاته، هو بلوغه مرحلة تصوُّف لم يصلها أشياخه ليَستثمرها خير استثمار في قصائده الاستنهاضيَّة، كما أسلفنا. وليس غريباً أن نرى ذلك متجلياً في قصائد أخرى تحيل إلى عُلوِّ مَراتِب المُتصوّفة على سائر خلق الله»، مِمَّا يُؤكِّد ـ ليس اطلاعه على ـ بل تأكيده وتوكيده الواضح على ما قاله الشيخ الأكبر في فتوحاته المكية التي نجزم بتأثر أبي مسلم بها، كما يرد في هذين البيتين: سُبحَانَ مَنْ أَوْرَدَ الْأَرْوَاحَ أَبْحُرَهُ وَهَيَّمَ الأنْفُسَ الوَلْهَى إلى الله سُبحَانَ مَنْ خَصَّ بالعِرْفانِ طَائِفَةً نَتْهُمُ كَلِمَاتُ اللهِ في الله وأيضاً في هذين البيتين، لا سيما البيت الثاني؛ فهو بيت لافت على الصعيد الشعري، في إيماءاته إلى يوم العَرْض/ القيامة حيث تمحي الظلالُ يوم لا ظل إلا ظلّه]. فشاعِرُنا لا يكتفي بمشهد امحَائها بل يُصَعَدُهُ إِلى مَسْهَدٍ مفارق تتعَرَّضُ فيه الظَّلالُ/ الأفياء أمام حضرة الخالقِ ليكون التلاشي مصيرها بعد انتساخها به، ولم يبقَ مِن ضَوءٍ خَلا نورُهُ القُدسي:
تَجَلَّتْ على نَعْتِي نُعُوتُ جَلالِهِ كما أنَّهُ مِنهَا نُعُونِي تَجَلَّتِ تَعَرَّضَتِ الأَفْيَاءُ فَانْتَسَخَتْ بِهِ ولم يبقَ إِلا نُورُ قُدْسِ وَوَحْدَةِ ولمزيد من التأكيد، نجد أنه في إلهيّاته يذهب إلى ما لم يذهب إليه المُتقدِّمون في التجربة الصُّوفية العُمانيَّة المحليَّة، كما في هذه الأبيات التي نلاحظ أنه ينحو فيها نحو اللامتوقع: أي الضّد تصعيداً للقصد في قصيده. إذ نراه عوضاً عن استخدام مفردة (العَدَم) للتعبير عن نقيض (الوجود) يستخدم مفردة (الصدّ)، دون أن يفوت نظرته الكونية إشارته إلى أنَّ كُلاً من الوجود والعدم ليسا، في حقيقة الأمر، مُنتهى وُجُودِهِما وعَدَمِه، بل وحدتين زمنيتين
49