الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥٣

إن هَيَّجَ البَرْقُ ذَا شَجْوِ فَقَدْ سَهَرَتْ عَيْنِي وَسُبَتْ لِشَجوِ النَّفْسِ نِيرَانُ وَصَيَّرَ البَرْقُ جَفْنِي مِنْ سَحَائِبِهِ يا بَرْقُ: حَسْبُكَ، ما فِي الْأَرْضِ ظَمْآنُ (1) إنِّي أَشُعُ بِدَمْعِي أَنْ يَشع على أَرْضِ وَمَا هِيَ لِي، يَا بَرْقُ، أَوْطَانُ (2) هَبْكَ اسْتَطَرْتَ فُؤادِي فَاسْتَطِرْ رَمَقِي إلى مَعَاهِدَ لِي فِيهِنَّ أَشْجَانُ (3) تِلكَ المَعَاهِدُ مَا عَهْدِي بِهَا انْتَقَلَتْ وَهُنَّ وَسْطَ ضَمِيري، الآنَ، سُكّانُ (4)

شجنه

(1) معنى البيتين: وإن هيج البرق ذا حُزن وشوق مثلي لأرضه البعيدة، فإن عيني سهرت وشئت لحزن النفس وهَمَّها نيران لا تقارن بتهييج البروق لذي حزن وشوق، وهو يفرّقُ، هنا، بين المعنى العام لمفردة شجو الواردة في صدر البيت وبين تخصيصه في الشطر الثاني: شجو النفس لينسلخ المشهد السينمائي من لقطته الافتتاحية في معاهد التذكار عودة به إلى زنجبار المطيرة حيث استمرأ البرقُ اللعبة لدرجة أنه أحال جفن الشاعر سَحابة من سحائبه، لكنه يمعن في لومه مطالباً إياه بالكفّ. عن وسهره الدائم في أرض ريانة مشبعة بالأمطار، ليجيبه الشاعر مُفسّراً (البرق زنجبار) سبب هطول مطر/ مدامع عينيه يتوقف عن لومه الضمني للشاعر الذي يعرف أن زنجبار ليست عطشى، لكن سبب هطول مدامعه في الحقيقة حنينه ليرى البرق وهو يحيي موات أرضه الحقيقية. (2) اشع: أبخل || يشع: يسيل؛ وسَحَّ الدمعُ والمطر والماءُ سال وتعني شدة انصبابه، وقصد الشاعر المفردة بمعنييها دمعاً ومطراً. المعنى لومه في البيت السابق لبرقِ زنجبار، له ما يبرره: فهو يبخل بدمعه مطره الهطال من سحابة جفنه أن ينصب ويسيل على أرض لم ولن تكون وطناً له. واستخدامه لصيغة الجمع: أوطان ليست مبالغة أو لضرورة إيقاعية، بل تأكيد مقصود على وطنه الواحد (في زمن كانت فيه زنجبار وطناً لمن استوطنها من العُمانيين وإن اختلفت ألوان الرايات المرفرفة في مسقط أو زنجبار، فعاصمة وطنه الحقيقية هي راية الإمامة البيضاء في نزوى. (3) هَبْ: فعل أمر مِن وَهَبَ. يقال: هَبْني فعلتُ أي احْسَبني فعلت || استطِرْ: الاسْتِطَارَةُ والتَّطائرُ: التفرق والذهاب والانتشار واستطار فلان سيفه؛ إذا انتزعه من غمده مسرعاً، وصُبح مستطير: ساطع ومنتشر، واستطارت الزجاجة والحائط: تبين فيهما الصدع || الرمق: بقية الروح || المعاهد: الموضع كنتَ عَهِدْتَه أَو عَهِدْت هَوى لك أو كنتَ تَعْهَدُ به شيئاً، والجمعُ المَعَاهِدُ؛ أي الأماكن التي عاش المرء فيها حياته بذكرياته التي لا تمحى المعنى ولنفترض يا برق، أنك استطعت التسلط والسيطرة على فؤادي المسيطر عليه أصلا بجذوة الشوق والحنين، وقدرت تصيبه بالصدوع، فاستطر وأسرع بالمتبقي لي من بقية الروح لأقضي المتبقي من فضلة العُمر في تلك المعاهد والمرابع التي اخضرت بمقدم الإمام. (4) المعنى: بعد إفصاحه عن انتقاله جسداً عن معاهده ومراتع صباه يُصعد لعبته الشعرية معكوسة في هذا البيت، لتبدو الصُّورَة الشعرية مقلوبة في الحنين المُزدوج: كما لو أنه لم ينتقل عنها، بل هي من انتقل عنه وهو ما زال فيها مُتسائلاً ما بال تلك المعاهد التي أعهدها في عُمان تنتقل فجأة إليَّ هنا في

553