Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٥٤نَأَيْتُ عَنْهَا، وَلَكِنْ لا أُفَارِقُها بَلَى كَمِ افْتَرَقَتْ رُوحٌ وَجُثمَانُ (1) وَكَيفَ أَنْسَى عُهُودِي فِي مَسَارِحِها وَهُنَّ بَينَ جِنانِ الخُلْدِ بُطْنانُ (2)
زنجبار لتسكُن قلبي الموله بها. واللافت في البيت أن المبالغة طللية المنحى للتعبير عن دهشته من انتقال تلك المعاهد وليس انتقاله هو عنها، ليكتشف أنها قد سكنت ضميره المؤنب لابتعاده الفيزيقي عنها، وتصبح وتمسي ساكنة في ضواحي، قلبه وتلك مُفارقة البيت وإيماءته المتبادلة إلى الروح والجسد، كما سيظهر في البيت التالي، كما أن تحاشيه لابتذال قوله: أنه سكنت قلبي وضميري، يتضح في صيغة الجمع «شان» الدالة على أن قلبه الصغير ضاحية سكانها الحقيقيون هم الساكنون في تلك الربوع البعيدة بالمعنى والإيحاء الحميم الذي تحيل إليه الشكني
والسكن. (1) في هذا البيت يأتي الصمت لاعترافه المنقوص، ولكن المُتمّم للمعنى: نأيتُ عنها، ولكن لا أفارقها، والقصد اعترافه الصريح بمثلبة النأي عن بلاده، وتأكيده في نفس الشطر على أنه رغم يُعادِهِ عن مرابعها، إلا أنه - في حقيقة الأمر - لم يفارقها لذلك يأتي تأكيده البدهي اللاحق: بلى كم افترقت روح وجثمان» - لا ليؤكد حقيقة أزلية، بل تقصداً لإفراغ المعنى من دلالته الاستعارية الأخف وطأة من تقريص معاناته الحقيقية. فلطالما افترقت روح عن جثمانها، لكن فراقي عن تلك المعاهد (بما هي عليه صنو للروح، بل الرّوح ذاتها صَيَّرَني جثة فارقتها روحها بالفعل. لذا فتأكيده للفعل الأزلي بافتراق الروح عن الجسد/ الجثمان بتقريره لواقع حال مؤكد حاسم في مفتتح عجز البيت: [بلى]، لم يقصد به تقرير ما ستؤول إليه أية جثةٍ بعد مفارقة روحها لها، وإنما أراد بذلك مفارقة الشطر الأول من بيته [نأيتُ عنها، ولكن لا أفارقها عن الصيغة التقريرية للحالات المُماثلة من افتراق الجسد والروح توكيداً على خصوصية حالته وفردانيتها؛ فقد نأى جسداً)، لكنه لم يُفارق (روحاً) ووجداناً مرابعه في
عُمان.
منه،
(2) عُهودي: العَهْدُ: المطرُ الذي يكون بعد المطر، والجمع العِهادُ والعُهود. وقد عُهِدَتِ الأرضُ فهي معهودة، أي ممطورةٌ، والعَهْد المَوْثِق، وجمعه عُهود وأصلها العهد الذي يكتب للولاة وهو مشتق والجمع عُهود || المسارح: المرابع والمراعي والمواضع التي تسرح إليها الإبل || البطنان: بضم الباء - وسط الشيء، وبُطْنانُ الأرض ما تَوَطَّاً في بطون الأرض سَهْلِها وحزنها ورياضها، وهي قرار الماء ومستنقعه، وهي البواطن والبطون. ويقال: أخذ فلانٌ باطناً من الأرض وهي أ أبطا جفوفاً من غيرها. وتبطَّنْتُ الوادي: دخلت بطنه وجولت فيه. وبطنان الجنة: وسطها. وفي الحديث: ينادي مُنادٍ من بطنان العرش أي من وسطه، وقيل: من أصله وقيل: البطنان جمع بطن، وهو الغامض من الأرض، يريد من دواخل العرش؛ ومنه كلام علي عليه السلام في الاستسقاء: تَرْوَى به القيعان وتسيل به البطنان. المعنى: وكيف لي أن أنسى مواثيقي في مرابعها المطيرة، وهُنَّ بسهلها وحزنها ورياضها بغامضها وواضحها وسط الجنة، وفي ذلك تلميح إلى شعاع العدل الذي ساد ربوع بلاده التي أمطرت بمبايعة إمام عادل؛ فهي مرابع مُماثلة لمرابع الجنة المأمولة، بل أضحت ـ في نظر الشاعر، قبل اندثار الحياة - متوسطة جنان الخلد لشدَّةِ قربها عدلاً من بُطْنان العرش، ولا يخفى ما=
554