الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥٦

كأَنَّنِي وَاغْتِرَابِي وَالغَرَامَ بِهَا حَيٌّ قَضَى خَلَّفَتْهُ، بَعْدُ، أَحْزَانُ (1) هي النَّوَى جَعَلَتْنِي فِي مَحَاجِرِها مثل الخَيَالِ وَرُوحِي ثُمَّ مُجثمَانُ (2)

عُمان دون أن يُوضّحَ تلك الأسباب كعادته في قصائده الأخرى التي يكرر فيها عذابات منفاه الاختياري، رغم أنه في إيماءاته يبدو منفى إجبارياً لأسباب اجتماعية في الغالب بعد رحلته الأولى من عُمان وعودته في زيارة لم يمكث خلالها طويلا، قبل قراره بالعودة النهائية إلى زنجبار ـ كما أنها أسباب سياسية، لا سيما بعد توليه منصب القضاء في زنجبار، لكنه ظل دائماً يُلمح إليها دون التطرق إليها صراحة، وفي الغالب أن الإنكليز بإيحاءاتهم لسلاطين زنجبار) استشعروا الخطورة الكامنة في عودته فارتاوا وضعه تحت إقامة جبرية في زنجبار، مع تمتعه بمزايا، منصبه، وهو الأمر الذي أشار إليه باقتضاب د. محمد المحروقي في كتابه «أبو مسلم البهلاني رائداً». (1) قضى: بلغ الأجل الذي حدد له || خلفته: تركته وراءها || بَعْدُ: ظرف زمان مبهم يفهم معناه بالإضافة لما بعده، فيكون مبنياً على الضم المعنى في هذا البيت بأركان ثالوثه الشعري المقدس: (أنا الشاعر اغترابه عن عُمانه وغرامه بها - نجد الشاعر يُشبه أركان ثالوثه بيكنونة الحي المتوفى وقد تركته الأحزان بعد رحيله، بعد رحيل أضلاع المثلث الذي لا تنفصم غرى حياته ومواته. قد يبدو التشبيه عادياً لأول وهلة؛ لكنه يستمد عُصارته الشعرية الطازجة من تشبيه ثالوثه (وليس أنا الشاعر، فحسب بالمتوفى الذي لم يترك خِلْفةً ولم يُخلّف وراءه شيئاً سوى الأحزان، ولأنه بالكاد في حكم الحي فهي أحزانه وحده لكنها في العمق اللامنظور أحزان أقانيم ثالوثه الفجائعي المُقدس. (2) النوى: البعد || محاجرها: جمع مِحْجَر وهي الحديقة المُسوَّرة، وتعني أيضاً محجر العين: ما دار بها || الخيال: الظن والوهم وطيف الغائب || ثُمَّ: اسمٌ يُشار به إلى البعيد، بمعنى: هناك. المعنى: للمحاجر معان متعددة، خلاف التي ذكرناها. لكنه في اعتقادنا يشير إلى الحديقة، كناية عن زنجبار: حديقة بعده ونأيه حيث يمشي فيها غريباً كطيف المتوفى وفي هذا إشارة ضمنية إلى المغايبة المسحورين، وتلميح إلى حديقة المنفى القشري)، عدا أنه يختلف عن المغايبة ـ إن صح التأويل - ويمتاز عليهم بجثمان روحه التي تركها هناك، أي في وطنه حيث معاهد تذكاره. وفي البيت تصعيد الحالة الروح التي تصعد بعد الموت إلى بارئها، لكنها في حالته تتشيأُ جثماناً في ربوع الوطن؛ فردوسه المفقود، فيما يتشيأُ هو [الجثمان] خيالا وطيفاً مُغتيباً هائماً في حدائق المنفى، نقيض فردوسه المتخيل في الوطن. والحقيقة أن من يُدقِّقُ فيما وراء طبقات المعنى ظاهِراً وباطناً ستنعكس الصورة في مرايا محاولات التأويل وسيستنبط قلباً لصورة المُغيَّب وعكساً لها. وربما سيكون مفيداً أن نستطرد، هنا، إلى المُسمى المحلي للصورة الفوتغرافية في لهجات أهل الخليج، فقد كانت الصور تُدعى: «العكوس»، في حالة الجمع، والصورة الواحدة: «عكس»، وهي التفاتة شعبية ذكية للتعبير عن الصورة، لأنها تكون عكساً مقلوباً للواقع في النسخة السالبة من الفيلم قبل تحميضها لتنقلب من جديد صورة مطابقة للواقع.

شعري