الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٦٦

فَإِن تَيَامَنَتِ الحَوْرَاءُ شَاخِصَةٌ لها مع الشخبِ أَكْنَافُ وَأَحْضَانُ (1) فحُط رَحْلَكَ عَنْهَا إِنَّهَا بَلَغَتْ «نَزْوَى وَطَافَتْ بها للمَجْدِ أَرْكَانُ (2) فَطَالَمَا وَخَدَتْ تَبْغِي لُبَانَتَهَا كَأَنَّهُنَّ مَعَ الإِنْضَاءِ عُقْبَانُ (3)

(1) الحوراء: جبل يقع على يمين المُسافر في طريقه من فرق إلى نزوى || شاخصة: قصد بها حَيْد الجبل كأنه. الشاخص يخرج منه فيتقدم جناح || أكناف أكناف الجبل والوادي: نواحيه حيث تنضم إليه ||

الحضن الجنب، وحضن الجبل: نواحيه وما يُطيف به المعنى: فإن تيامنت الحوراء ـ بعد عبورك لفرق ـ شاخصة بأجنحتها تنظرُ من عَل على نواحي الجبل بشحبها المتعالية … (2) الرحل: مركب البعير وحمولته || أركان والرُّكْنُ: الناحية القوية وما تقوّى به من مَلِكِ وجُنْدِ وغيره، وبذلك فسر قوله عز وجل: فتَوَلَّى بركيه، ودليل ذلك قوله تعالى: فأخذناه وجنوده؛ أَي أَخذناه ورُكُته الذي تولى به، والجمع أَرْكان وأَرْكُن؛ أَنشد سيبويه لرؤبة: وزَحْمُ رُكْنَيْكَ شَدِيدَ الْأَرْكُنِ. ورُكْنُ الإنسان قوته وشدته، وكذلك رُكْنُ الجبل والقصر، وهو جانبه. ورُكْنُ الرَّجُل: قومه وعَدَدُه ومادته. وفي التنزيل العزيز: لو أنَّ لي بكم قُوَّةً أَو آوِي إلى رُكُن شديد. المعنى: [تتمة البيت السابق] … في تلك اللحظة، بعد بلوغ المرام، ألق عصا التسيار وحُطَّ رحلك عن ناقتك (قافلتك، بالأحرى) - مخاطباً دليلها؛ ناقل العيس، لأنها بلغت قصدها المُراد: نزوى، وصار من حقها أن تباهي بقية الرواحل والقوافل بلوغها أركان مجدها الذي سيؤرّخ في السير. وليس عسيراً على القارئ ملاحظة استخدامه القاطع لفكرة نهاية الرحلة ومنتهاها في ابتداء الشطر الثاني من البيت الذي تبلغه القافلة - كما لو كانت تعبرُ مفازة - بعد لأي لتكتشف فجأة أنها بلغت نزوى»! ورغم ما توحي به الدلالة السطحية أن المقصود بوطافت بها للمجد أركان - نزوى، لكنَّهُ مَطب شعري باذخ؛ فأبو مسلم يقصد قافلة مُبايعة الإمام التي طافت أركانها حول مجدها المؤثل. (3) وخدت: الوَخْدُ ضرب من سير الإبل، وهو سعة الخطو في المشي. يقال: وخَدَتِ الناقةُ تَخِدُ وخداً؛ أي أسرعت. قال النابغة: فَما وَحَدَتْ بِمِثْلِكِ ذاتُ غَرْب | حَطُوطٌ فِي الزَّمامِ ولا لَحُونُ. ووحد البعير يَخِدُ وَخُداً وَوَخَداناً: أَسْرَعَ ووَسَّع الخطو؛ وقيل: رمى بقوائمه كمشي النعام || لبانتها: اللبانة الحاجة من غير فاقة ولكن من هِمَّة || الإنضاء: الهُزال || عُقبان: جمع عقاب، وهو من الطيور الجارحة المعنى: وقد آن لتلك الراحلة أن تستريح بعد مسيرها الشاق من المنطقة الشرقية إلى المنطقة الداخلية، في خبب إسراعها اللاهث وهي تُوسِعُ مَجال خطوها في طريقها) ـ لها حق استحقاق حاجتها التي سعت إليها. لكن حاجتها - المُستشفة من سياق الأمثولة الشعرية - ليست مسعاها؛ كحاجة سواها من الرواحل كلاً ومشرباً عذباً؛ بل غذاؤها الرُّوحيّ المُتوخى من إسراعها في: كما لو كانت تستنبط وتُؤوِّلُ هدف الرحلة، لدرجة أن من يراها من يرى جمال تلك القافلة من بعيد، يخالها ويحسبها لشدة الهزال عُقباناً مُحلقة في الفيافي التي تذرعُها بأجنحة الروح العطشى للفضيلة والعدالة. والصورة الشعرية بالغة الفوتوغرافية والتخييل الجموح ولا تُماثل شيئاً عدا ذاتها في