Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٧٠أرْضُ مُقدَّسَةٌ قَدْ بُورِكَتْ وَزَكَتْ تَنْصَبُّ فِيهَا مِنَ الأَنْوارِ مُعْنانُ (1)
= السابق؛ فهو يقول: أنَّ الملائكة احتلتْ أماكنهم التي أقاموا فيها أحياء وأمواتاً (قيعاناً وظهراناً) تبركاً بمقاماتهم الرفيعة لدى الواحد الأحد؛ ورغم واجباتهم [أي الملائكة] المناطة بهم في بقاع أخرى من الأرض، إلَّا أنَّ زوراتهم لمواطنهم وأماكنهم التي ألفوها أحياء لا تنقطع، تماماً كزياراتهم المستمرة لمقابر الأئمة بعد رحيلهم؛ لشدَّةِ إدمانهم عليها هبوطاً عُلوياً من السَّماوات وتعريجاً عليها في طريق عودتهم. تلميح: يتضح صفاء البعد الصُّوفي العميق في تعبيره: «لها على الحل والتعريج إدمان»، موائماً ومزاوجاً بين المُصطلح الصُّوفي المُعبر عن الشكر بالله وامتداد ذلك الشكر إلى الملائكة الذين وجدوا «خانتهم الأرضية في بيضة الإسلام يُعرجون عليها، وَمِنها يُعرجون صعوداً نحو السموات بعد نشوتهم الرُّوحيَّة، فضلا عن البعد الشِّعري الخلاق الذي أبطنه أبو مسلم في هذه الأبيات للتعبير عن إعجابه بمُبتدعات خمريات الشعراء الأرضيين كأبي نواس، ناهيك عن تأثره الواضح بسيرة وشعر الحسين بن منصور الحلاج، وسواهما من شعراء العصر العباسي - لكن هدفه لم يكن الإلماح لحالة سكر دنيوي، قدر تصريحه - بل واستفزازه في بعض أبيات النونية ـ للذائقة السائدة آنذاك في بيضة الإسلام) بتعاليمها المُتشدِّدَة التي لا تتقبَّلُ نزوعاً إلى ما بدا لأولي الأمر «خروجاً» يسرح ويمرح على رصيف الصراط المستقيم. لكن أبا مُسلم - كما نرى - لم يأبه بذلك وقال ما أراد قوله في عقر نونييه بلغته التي لم يستطع فقهاء ذلك العصر أن ينبسوا بكلمة تجاه ما بدا لهم «تجديفاً» غير مستساغ في ظاهر القول، لأنهم يُدركون أنَّهُ صادرٌ من عرفان عارف ببواطنه؛ تماماً كما عرفت الملائكة طريقها إلى مقابر الأخيار والأولياء والأئمة التي أدمنت على زيارتها إدمان مُعاقر الخمر. (1) زكت الزَّكاء؛ النَّماء والازدهار || مُعْنان: المَعْنُ والمَعِينُ: الماء السائل، وقيل: الجاري على وجه الأرض، وقيل: الماء العذب الغزير، وكل ذلك من الشهولة والمَعْنُ: الماء الظاهر، والجمع مُعنّ ومعنات، ومياة مُعْنان المعنى: فبيضة الإسلام (نزوى) أرض مُقدَّسة بوركت ونمت وازدهرت تنصب فيها الأنوار سائلة كانصباب الأمطار الغزيرة تلميح: ثراء الصورة الشعرية محبوس في نقيضه؛ انصباب مَعِينِ الأنوار التي سَيَّلَها الشاعر في دفقه الشعري كما يسيل الماء العذب، وقوة الاستعارة مكثفة في مفردة «معنان» وارتباطها مباشرة، دون وسيط تشبيهي، بالنور السائل منصباً من سماء الله. وهذا ما يجعل المعاني المجردة في مقام المحسوس، تقوم بوظيفتها الشعرية خارج أقنوم دلالتها المحدد بمحدودية تلك الدلالة الناشئة عن تواتر العلاقة المنطقية بين الدَّال والمدلول. فنواة البنية الشعرية داخلية تستمد طاقتها التخييلية من عناصرها وليس عبر التشبيه المحيل إلى المقارنة، وفي ذلك تأبيد للجوهر الشعري قياساً بريق مُحسناته البديعية فالاستعارات التقليدية في الشعر الكلاسيكي لم تستطع الصمود أمام فتوحات الشعرية الحديثة؛ تلك التي أفسحت المجال لمجازات المتخيل أن تطلق عنان معنان آفاقها الحبيسة في ضيق محدودية المعنى حين ينفصل عما يستطيع
كما خلقه من ترادفات تكون نتائجها خلّاقة في طهارة التكوين الشعري والجمالي، هو الحال في
معنان أنوار هذا البيت.
570