Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٧٦سُفْنُ النَّجَاةِ هُدَاهُ النَّاسِ قَادَتُهُمْ هرُ السَّرَائِرِ لِلإسْلام حِيطَانُ (1) تَقبَّلُوا مِدَحَ القُرْآنِ أَجْمَعَهَا إذا استحقِّ مَدِيحَ الله إِيمَانُ (2) جَدُّوا إلى البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ فَلَمْ يَفُتْهُمُ فِي التَّقَى سِرُّ وَإِعْلانُ (3)
الأسباب اتخذ نور الدين السالمي بدية مسكنا له لما لمسه من تشجيع العلم وتكفل الأوقاف بمصاريف المعلمين والمتعلمين، وهذا ما يشير إليه أبو مسلم بقوله «أوَّاهُون رهبان»، والحقيقة أن الفقيه الأديب محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي في كتابه شقائق النعمان على شموط الجمان يتوسع في ذكر الأفاضل من أهالي بديَّة، قائلا: وفي بدية من الحجريين عُلماء وأخيار وكتاب وأطباء، وقد بحثت عنهم الشيخ العالم علي بن سالم بن ناصر الحجري، ساكن [بلدة] الحوية ليكتب لي أسماءهم بالتفصيل». تلميح: صحيح أن بعض مفردات التدين المسيحي واليهودي دخلت في المصطلح الإسلامي، رغم تحاشي بعض المُتفيقهين لها؛ إلا أننا نجد أبا مسلم يحفظ لها مكانتها اللغوية والدلالية، ولا يستنكف استخدامها في أكثر من قصيدة، بل يُعوّل عليها مصطلحاً رائجاً في ثقافة ذلك العصر ليشد بها عصبَ المُبتغى من كافة إمكانات تأويل قصيدته، دونما إقصاء للآخر، وتلك مزية تمنى المرء لو حظي بها المُتأخرون ممن حاولوا تفسير قصائده لتناسب أهواءهم [المذهبية الضيقة] في تضيقها على المُتسع في مُنفتح المُتسع من التأويل. (1) المعنى: وهم - إلى جانب ما سبق أن ذكرناه - سُفُن نجاة مُنقذة للغرقى في بحيرات المعرفة ومحيطاتها، وقادة الناس وهُداتُهم بسرائرهم الطاهرة، كما أنهم - إلى جانب ذلك ـ حيطان منيعة وقلاع حصينة تُسوِّدُ بصالح الأعمال بياض صفحة الإسلام الحقِّ وعدالته المفتقدة في حواضر هذه الأئمة المستضعفة. ملحوظة: البيت مكتنز بفضائل ممدوحيه المسرودة بلغة صافية سهلة ـ كما قد يبدو لقارئه ـ في ضحل التأويل المُتسرع، لكنه مُشتَغل عليه شعرياً، بحنكة لماحة واقتضاب وتكثيف
يخذلان البلاغة ذاتها. (2) تقيلوا: تقيَّلَ الشيء؛ إذا نزع إليه في الشَّبَه، والقصد هنا مُشابهتم سُلوكاً لمدائح القرآن في بعض الأولياء والأنبياء المعنى: ولذلك شابهوا، بل كانوا طبق الأصل من مدائح القرآن في تشببهم بها. الله وكما نلاحظ؛ ففي البيت استصغار مُبطن قصد به إظهار الإكبار؛ فقوله: «إذا استحق مديح ا إيمان»، في الشطر التالي أراد به الإعلاء من شأن إيمانهم في مدحته؛ ليستثني في عجز البيت ما رسخته صفاتهم وسلوكياتهم المُطابقة للمدائح المذكورة في القرآن الكريم عن صفات الأولين - إن استحق الإيمان مديح الله؛ فتقيلُهم وتشبههم بمدائح القرآن يستحقُّ - في نظر الشاعر ـ مديح الخالق لصفاتهم وسلوكهم؛ وإن تأخروا زمناً طويلًا عن أحقيتهم باستضافة الله لهم في أنوار مدائحه التي تمثلوها - دون سواهم - وطبقوها بحذافيرها في أزمنة الجور؛ إعلاء لكلمة الله. (3) المعنى: لقد اجتهدوا، تقى وطاعة، في بلوغ الباقيات الصالحات؛ وهي ما يبقى من صالح العمل للمرء بعد مماته، ولم يفتهم في مَسْرَى التَّقى إعلان تُقاهُم - حيث وجب ذلك ـ أو التحفظ عليه في سرائر نفوسهم؛ فهم في جبلتهم كانوا كما كانوا في ورع من الله في الحالين: سراً مكشوفاً وإعلاناً
مضمر الغايات لصالح المَربُوب، قبل مصالح ذواتهم الأخروية.
576