الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٧٨

مسومِينَ لِنَصْرِ الله أَنفُسَهُم أرواحهم في سبيل الله قُرْبَانُ (1) سبق إلى الخَيْرِ عَنْ جَدٌ وَعَنْ كَيَسِ دَانُوا النُّفُوسَ فَعَزَّتْ حَيثُما دَانُوا (2) سِيمَاهُمُ النُّورُ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ وَهَدْيُهُم سُنَّةٌ بَيْضَاءُ يَبْيَانُ (3) مقيدُونَ بِحُكْمِ اللهِ حِكْمَتهُم وَهَمُّهُم حيثما كانَ الهُدَى كَانُوا (4) هُمْ أَسْمَعُ النَّاسِ فِي حَقٌّ وَأَبْصَرُهُم وَفِي سِوَاهُ هُم صُمٌّ وَعُمْيَانُ (5) لَمْ تُلْهِهِم زَهْرَةُ الدُّنيا وَزُخْرُفُها إِذْ هَمُّهُم صَالِحُ يَتْلُوهُ رِضْوَانُ (6)

الأضحية

(1) مُسوّمين: السَّوْمُ: عَرْضُ السَّلْعَةِ على البيع. والخيل المُسَوَّمة المُرْسَلة وعليها ركبانها، وهو من قولك: سَوَّمْتُ فلاناً إِذا خَلَّيْته وسَوْمه أَي وما يريد، وقيل: الخيل المُسَوَّمة هي التي عليها السيما والشومة وهي العلامة || قُربان ما قُرْبَ إِلى الله تعالى من نسيكة أو غيرها؛ وتعني والتضحية لدى بعض أتباع الديانات الوثنية المعنى: عَرَضوا نُفوسهم الغالية في مزاد نصرة الله؛ وليس غريباً، بعدها أن تكون أرواحهم قُرْباناً مُستخلصاً من خلاصة تلك الأرواح التي أفنوها في

سبيله.

(2) سبق إلى الخير: سباقون إليه || الجد: البَحْتُ والحظوة || كيس: الخفّة والتوقد والفهامة || دانوا: دان فلان يدينُ دَيْناً: استقرض وصار عليه دَيْنٌ، فهو دائِنٌ. المعنى: كانوا سباقين إلى الخير عن حظوة

وتوقد رأي؛ لكنهم أقرضوا نفوسهم مبغاة رضى الله فعزّت حيثما دانوا. (3) المعنى: وعلاماتهم المُميّزة لهم نوَّارة في نورهم المُتجلي في خلقتهم، كما في النور الوضاح في أخلاقهم؛ لأنَّ الهَدْيَ أساسه سُنَّة بيضاء لا مراء فيها.

(4) المعنى: ولا غرو؛ فهم مقيدون حكمتهم بسلاسل حكم الله في نفوسهم، وهمهم - ببساطة آسرة - هو أنهم يكونون حيث كان مشعل الهدى منيراً لطريقهم. (5) المعنى: وعليه؛ فهم أسمعُ الناس وأبصرهم بالحق، لكنهم في الباطل صُمَّ وعُميان. ملحوظة: رغم بساطة البيت، وعدم حاجة القارئ لشرح يُضافُ إلى وُضُوحه؛ لكنني أعجبت بنسقه التبريري، إن ضع لي القول. فهو يقولُ - رفعاً من شأن عدالتهم في استبصارهم لدروب الحق ـ نجدُهُ يُخاتل قارئه بالنقيض: تصاممُهم وتعاميهم عما سواه؛ أي الحق الذي أبصروه واستبصروه، بحيث أنهم استسلموا طوعاً لما صيَّرتهم إليه عِبادَة الحَقِّ (والحَقُّ لها تأويلها الدنيوي في شرعة حقوق الإنسان، وتأويلها اللاهوتي، وقبل كُلِّ شيء تأويلها اسماً من أسماء الله الحسنى)؛ لدرجة أنهم أضحوا صُمّاً وعُمياناً؛ فيما لو حدثهم أحدٌ عن سواه لشدَّة التزامهم به، ولو كان في ذلك خسرانهم على الصعيدين الستراتيجي والتكتيكي في معركتهم أمام الباطل. (6) المعنى: لمَن استفسر عن سيرتهم؛ سيعرف أن زخرف الدنيا وزهرته الفواحة بأطايبها لم تلههم عن قصدهم ومرامهم؛ لأنهم لا يرتجون سوى صالح أعمال في الدنيا يتبعه رضوان في الآخرة.

OVA