الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٨٢

سيما التَّعَفُّفِ تَكْسُوهُم جَلالَ غِنى فَالقَلْبُ فِي شَبَعِ وَالبَطْنُ خَمْصَانُ (1)

هاوية من ذاتها وكينونتها || اختانوا أصلها الختان؛ وهو موضع الخَتْنِ من الذكر، وموضع القطع من نواة الصَّبايا. قال أبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأنثى؛ ومنه الحديث المَرْوِي: إذا التقى الختانان فقد وجَبَ الغُسْلُ، وهما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية. وأصل الخثن: القطع، إطلاقاً، كما تأتي (اختانوا) بمعنى: فُطِمُوا؛ أي فطموا على سد الرمق || على حذر: معناها واضح، لكننا نؤكد أنها وردت في مخطوطة 1914 م، هكذا، وقد اعتمدناها؛ رغم ورودها في الأصل المعتمد والنسخ الأخرى: على خطر» || منها: أي مِنْ بُلْغَةِ المَحْيَا؛ وهو مَفْعَل من الحياة. المعنى: وندامى الله الأخيار هؤلاء؛ لم يكتفوا بكل ما سبق، لأنهم رضوا منه بما يكفيهم لسد الرمق - رغم أن حياتهم برمتها كانت في خطرٍ مُحدق من أسلوب عيشهم المتقشف، خوفاً من الله، وحفاظاً على رمي - بالكاد - يُبقيهم على قيد الحياة؛ حتى يتفيقوا للجهاد في سبيله. وحالهم في هذا المَسْلَكِ ليسَ غريباً؛ لأنهم كانوا منذ صغرهم - بل قبل بلغوهم، قد تعوّدوا تلك الحال من كفاف العيش، كما لو أن نفوسهم لم تُفطر عليه جبلة وتعففاً فحسب، بل خُتنوا بتلك الفضيلة والمنقبة في شرخ الصبا وبواكيره معنى مضاف: فيما لو تخيرنا تفسير اختانوا بـ: فُطِموا؛ فالشاعر يقول أنهم فُطِمُوا على ما يَسُدُّ الرَّمقَ، ذلك؛ فهم وجلون حذرون من فتنة الدنيا؛ وهذه هي - لعمري - الغاية في النزاهة والتعفف. ملحوظة: هذا واحد من أبيات النونية المُنقبة في فرائد الفصحى وإمكانياتها اللامتناهية فصاحة وشفافية وسفوراً إيروتيكياً لم يَعُدْ مَطرُوقاً؛ فالتعبير المُفارق في عجز البيت: «كأنَّهُمُ بالبلغة اختانوا» يُحيل إلى ما وراء أعراف اللغة المتداولة آنذاك، ناهيك عن الأسلوبيَّةِ المُفخّخة بالكامنِ من الدلالات غير المنظورة وراء المعنى العابر في إيروسيته المُقنَّعَة؛ سواءٌ في مرجعياتها الفقهية، أو أنماطها التعبيرية السائدة، ابتكاراً لبؤرة تعبير غير مطروق في منحنى تعبيري لم تعتده الذائقة السائدة آنذاك، فما بالك بمنحناها الخارج والمُتقافز على رَصَانةِ مَعايير الصنعة الشعرية بإيروتيكية فضاحة لم يجد الشيخ العلامة أبو مسلم البهلاني غضاضة - وهو قاضي القضاة - في استخدامها مفردةً لا تعيقه عن استنباط أقصى دلالات التعفف (تفقهاً، وحِسَّيَّة إيروتيكية، على حد سواء)؛ ولو في مواضع الجسد الأكثر حسية: ختن الذكر والأنثى، لا ليعبر عن موضوعةٍ شَرعيَّة [من الشرع]، أو إيروتيكية [بمعناها الشائع في المُحدَث من أفصُوحَةِ الفُضحى]؛ بل عما هو أسمى من رضى أخياره المختارين ببلغة الحياة - ولو

ورغم

على حذر - لأنَّهم اختانوا [ختنوا أنفسهم بتعبير أسهل] بسدّ حاجة الرمق دون الزيادة عليه. (1) السيما: العلامة أنشد شمر في باب السيما مقصورةً للجَعْدِي: ولهُمْ سِيما، إِذَا تُبْصِرُهُمْ | بَيَّنَتْ رِيبَةَ من كانَ سَأَلَ || الخُمْصَان: الجائع الضامر البطن. جاء في حديث جابر: رأيت بالنبي، صلى الله عليه وسلّم؛ خَمْصاً شديداً. ومنه الحديث: كالطير تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بِطَاناً أَي تَغْدُو بُكْرَةً وهِي جياع وتروح عشاء مُمْتَلِةُ الأَجواب؛ ومنه الحديث الآخر: خمَاصٌ البطونِ جفاف الظهور أي وهي أنهم أَعِنَّةٌ عن أموال الناس، فهم ضامر و البطون من أكلها خفافُ الظهور من ثقل وِزْرِها. المعنى: =

582