Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٨٣سمْتُ المُلُوكِ وَهَدْيُ الأنبياءِ عَلَى أخلاقهم، فَكَأَنَّ الفَقْرَ تِيجَانُ (1) تمثلتْ لَهُمُ الدُّنْيَا فَمَا جَهِلُوا حقيقة الأمْرِ أَنَّ العَيْشَ نُعْبَانُ (2) جَازُوا الجُسُورَ خِفَافَ الحَاذِ وِقُرُهُمُ زُهْدٌ وَخَوْفٌ وَإِصْبَارٌ وَشُكْرَانُ (3)
أن
= وملامح تعففهم عن الدنيا تكسوهم مهابة غنى لم يشغلوا أنفسهم به؛ فمن يراهم سيتبين له فقرهم المدقع، فيما لو قورن بقلوبهم الرَّيَّانة من وليمة رَوْحِ الله وريحانه وتلك المفارقة الدقيقة، كشعرة معاوية؛ هي ما وهبهم المكانة التي استحقوها بجدارة. (1) تيجان: التَّاج، معروف، والجمعُ أَتواج وتيجان، والفعل التويج. والعرب تسمي العمائم التاج. وفي الحديث: العمائم تيجان العرب، جمع تاج، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر؛ أَراد العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤوس. المعنى: فمن يراهم على تلك الهيئةِ المُتسمة بأخلاق المُلوك وهدي الأنبياء الواضح في محيا أخلاقهم يكاد لا يُصدقُ ما تراه عيناه؛ لكنه لو نظر للأمر من زاوية أخرى لعرف أن فقرهم هو ما أو صلهم لتلك المراتب الرفعية؛ ولاستنتج أنَّ للفقر تيجاناً مُفارقة لتيجان الملوك بفضل فضائل هؤلاء الأئمة الذين نهضوا من قعر الأرض فاستنهضوها عدلا لبسوا تيجانه. خلاصة التناهي البلاغي المكثف «كاف» التشبيه وما يتبعها: «فكأنَّ الفقر تيجان»؛ لأنَّ الفقر لم يكن في يوم من الأيام
في البيت هي تاجاً يتباهى به، لكنَّ هؤلاء الأفذاذ حكمةً وعصمةً وتديناً خالصاً استطاعوا قلب المعادلة؛ فأضحوا ملوكاً بتسيد العدل، رغم ما يشهد به الحال الماحِلُ من فقر ذوات أيديهم. وقد تعمدنا التلميح في شرح معنى كلمة تيجان الواضحة إلى مقولة: العمائم تيجان العرب؛ لأنَّ أبا مُسلم نسف أمثولة المثل بالضربة القاضية في هذا البيت ليجترح أمثولتهُ الرَّفيعة في إحالة المعنى، جمالياً ورؤيوياً إلى نقيضه اللامطروق، وتلك مطرقة الشاعر.
(2) المعنى تمثلت لهم الدنيا؛ وهي العبان مبرقش في كافة صوره وفخاخه المترعة بالملذات والشهوات، لكنهم كانوا حذرين منها لتيقنهم من حقيقة الأمر؛ فالعيش فيها ثعبان سام تعلموا الحذر
والخشية منه. (3) الجسور: جمع جسر؛ وتعني القناطر، وقصد بها مفازات دنياه الدنيا يقطعها المرء عُبوراً إلى دنياه الآخرة. قال الأعمش في قوله: إن ربك لبالْمِرْصَاد: المرصاد ثلاثة جسور خلف الصراط: جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب || الحاذ تعني؛ الحال؛ ومنه قوله في الحديث: أغبط الناس المؤمنُ الخفيف الحاذ أي خفيف الظهر. ورجل خفيف الحاذ أي قليل المال، ويكون أيضاً القليل العيال || الوِقْر: الوِقْرُ بالكسر: النّقلُ يُحمل على ظهر أو على رأس، وعادة ما يكون وقر حطب محتطب || الشَّكران خلاف الكُفْرانِ. المعنى: وقد عبروا قناطر ومفازات دنياهم إلى آخرتهم التي عبروا صراطها وبرزخها بسلاسة؛ رغم أنَّ ظهورهم متخففة من متاع الدنيا مالا وعيالاً؛ فأحمال ظهورهم لم تكن سوى زهدهم وخوفهم من الله، واصطبارهم على بلواه وشكرهم له على نعمه سراء
وضراء. تلميح: لا يخفى بالنسبة للقارئ المُتمعن اختياره الدقيق لمفردات البيت: «خفاف الحاذ»، =
583