Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٨٤فَازَ المُخِفُونَ مِنْ دَارِ الغُرُورِ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلَا بِالقَوْمِ أَحْزَانُ (1) موا وَآثَارُهُم نُورٌ وَذِكْرُهُمُ رُحْمَى، وَمَضْجَعُهُم رَوحٌ وَرَيحَانُ تَابَعُوا دَوْلَةٌ فِي إِثْرِ سَابِقَةٍ كَمَا جَلَى الرُّسُلُ أَحْيَانُ فَأَحْيَانُ (2) حَتَّى انْجَلَى الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَانْكَشَفَتْ بِنُورِهِ عَنْ وُجوءِ الحَقِّ الغيانُ (3)
و «وقر» الحاملة لنقيض دلالاتها حينما ينيفُ المتخيل من الحاذ والوِقر الثقيل؛ ليتبين للقارئ أن يقل ظهر ممدوحيه ناتج - في شفافية حقيقته - عن امتلاء زوّادات ترحالهم بالزهد والخوف والإصبار والشكران. والمفارقة اللافتة، هنا، هي أن هذا الزاد - على خفَّتِه في ميزان الجاهل - أثقل في ميزان العارف من ألف وقرٍ وَوِقر حَمَلَتهُ المَناكِبُ والظهور.
(1) المعنى: البيت تتمة مضافة للسابق؛ ولذلك فاز المتخففون - أمثالهم - من متاع دنياهم الفانية؛ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون - وعجز البيت اقتباس من الآي الكريم.
(2) معنى البيتين: لقد مضوا وَرِعاً في إثر، ورع، لكنَّ آثارهم نورٌ مُصفى، وذكرهم رحمى لمن ظل بعدهم على قيد الحياة ومراقدهم النيرة كانت وما زالت يعبق منها طيب الفراديس، بعد أن تتابعوا في خلافة الأمة دولة إثر أخرى، لتختفي إمامة العدل في بعض الأحايين؛ لكنها تعود للظهور من جديد. وليس ذلك بغريب على الله وفردانية حكمته: فقد تقطعت وانقطعت حقب الرسالات وظهورات الرسل والأنبياء حيناً بعد حين، وحال أئمتنا لا تختلفُ في مكابدة الظهور والانقطاع عن حال الرسل والإنبياء. ملحوظة: كما نرى ثمة إعلاء من شأن الراحلين من الأئمة ورجالات الورع مقابل من سيظهرون في حقب لاحقة؛ والبيت برُمَّتِهِ استبشار بمُبايعة الإمام سالم بن راشد بعد انقطاع الإمامة نحو نصف قرن من الزمان.
(3) أغيان: جمع غَيْن؛ وهو الغيم الساتر لصفاء السَّماء. المعنى: قصد في بيته هذا انفلاق أفق الكربة بيزوع الإمام سالم بن راشد وظهوره النوراني كوكباً دُريّاً لتنكشف بأنواره الغيوم الساترة للحق والحقيقة. ملحوظة: مَرَّة أخرى، لا تخفى دقة أبي مُسلم في التعبير، ولو في موضوعة مثالية تعبر عن عواطفه الجياشة وفرحه الغامر بتنصيب الإمام ومبايعته لتنكشف عن وُجوه الحق الستائر الحاجبة لوجوهها الحقة. ومن يتملى في البيتِ مَليّاً يَجدُ أنَّ الشاعر فطِن - بحدس المتصوف ـ إلى أنَّ [الحَقِّ] ليس واحداً، لأنه مُتمظهرُ بوجوه متعددة تقتضي تأويل طبقات أقنعتها؛ وإن بدت قناعاً حقانياً لوجه واحد. في القرآن (أ) الحق هو الله. (ب) الشرع أو الشريعة التي أرسل بها المرسلين «إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً» [119/ 2]. (ج) الحق - الصدق والوجوب. «فاصبر إنَّ وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يُوقنون [60/ 30]. (د) الحق - العدل. يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق» [26/ 38]. (هـ) الحق - النصيب الحظ. والذين في أموالهم حق للسائل والمحروم» [24/ 70]. (و) الحق، بمعنى ما وجب للشيء بعين الاستحقاق. وجاهدوا في الله حَقَّ جهاده [22/ 78]. (ز) الحاقة = القيامة. الحاقة. ما الحاقة. وما أدراك ما الحاقة» [1/ 69 - 2 - 3]. عند ابن عربي: إن الحق في كلام ابن عربي هو الله، لا من حيث ذاته المجردة عن كل وصف=
584