Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٨٦وَلِلأماني أوْقَاتٌ إذا قُدِرَتْ وللأماني آيَاتٌ وَإيذانُ (1) تَمَنَّعَتْ فِي خُدُورِ الغَيْبِ آوِنَةٌ ثُمَّ انْجَلَتْ فَانْجَلَى عَدْلٌ وَإِحْسَانُ (2) ما سَاوَرَتْهَا صُرُوفُ الدَّهْرِ إِذْ نَجَمَتْ وَمَا لِرَدُّ مُرَادِ اللهِ إِمْكَانُ (3) وَحِكْمَةُ اللهِ في التَّدْبِيرُ قَاهِرةُ وَقَائِدُ العَقْلِ فِي المِقْدَارِ حَيْرَانُ (4)
من
= أتاحها الله في وقتها المُناسب لصلاح الأمة الغارقة في مآسيها التي أنستها الأمثولة، ولم تثمن تلك اللحظة الربانية التي هبطت. لدنه رحمة بأحوالهم، في لحظة لم تكن متوقعة في عصور الظلام. (1) قدرت: بمعنى؛ إن قيست ودُبِّرَت تلك الأوقات || آيات علامات || إيذان: إعلام؛ ويقال: أَذِنَ فلانٌ يَأْذَنُ به إِذْنا إِذا عَلِيمٌ. وقوله عز وجل: وأَذان من الله ورسوله إلى الناس؛ أي إغلام. معنى البيت: ولتلك الأماني مواقيتها المحددة المحسوبة؛ فيما لو حسبت بتقدير العارف؛ كما أن لتلك الأماني آيات وعلامات تُعلِمُ وتأذن بمواقيت حدوثها.
(2) تمنعت: تحجبت || خدور جمعُ خِدر؛ وهو سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كل ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً. || الغيب: الشَّكُ، وجمعه غِيابٌ وغُيُوبٌ؛ قال: «أَنْتَ نَبِيَّ تَعْلَمُ الغيابا إلا قائلا إفكاً ولا مؤتابا. والغَيْبُ: كل ما غاب عنك. أبو إسحق في قوله تعالى: يؤمنون بالغَيْبِ؛ أي يؤمنون بما غاب عنهم، مما أخبرهم به النبي من أمرِ البَعْثِ والجنة والنار. والغَيْبُ أَيضاً ما غاب عن العيون، وإن كان مُحَصَّلا في القلوب. المعنى هذا أحد الأبيات التي استوقفتني في النونية؛ لأن الشاعر استعاد فيه ما سبق له طرحه في مدائحه النبويَّةِ المُؤسْطِرَة لظهور النبي محمد بعد تمتعه بحياة الفراديس في حُجب الغيب [وفقاً لرؤية الشاعر التي تحفظ عليها أتباع المذهب الإباضي، وحاولوا - قدر جهدهم - إخفاءها بعدم التطرق لها ولمعانيها في المُتواتر من أدبياتهم]؛ رغم دفاع الشاعر الوضاح عن المذهب وحرصه البالغ على رموزه وأيقوناته التي أعلى من شأنها، لا سيما في أذكاره التي وردت في النَّفْسِ الرَّحمَاني، وسواء من القصائد. ففي بيت كهذا؛ نراه يستعيد طَرْقَ الفكرة على رخام ذاكرة متصلد من خلال استعادته الشفيفة للأماني التي طالما انتظر ظهوراتها بعد تحجبها وتمنعها وراء ستر الغيب آونة طالت - بمقاييس التحقيب الدهري - لتنجلي تلك الأماني، أخيراً، ببيعة هذا الإمام الورع الذي انجلى العدل والإحسان بعد مُبايعته إماماً وضاحاً كنور سريرته التي أظهرت تلك الأماني مِن غُيُوب الأعالي.
(3) ساورتها واثبتها || نجمت طلعت وظهرت المعنى ولتلك الأماني المتمنعة في خدور الغيب مواقيت ظهوراتها؛ ولذلك لم تستطع صُروف الدهر مُواثَبتها ساعة حان ظهورها من خباء الغيب؛ فلا
إمكان لحظة ظهورها المُباغت لرَدِّ ما سبق الله أن أرادَهُ وكتبه سلفاً في لوحه المحفوظ. (4) المعنى: تبريراً لعودة انكشاف الأماني وتحققها بعد لأي في الواقع المعاش؛ يؤكد الشاعر، هنا، حكمة الله في تدبير شؤون عباده؛ لذلك انكسرت تكهنات العقلاء وارتدت في قلوب حيرتهم بعد أن استعصى عليهم استيعاب المقدار المعطى - والمُتمنِّعِ، في الآن ذاته ـ دونما أسباب واضحة تفسر الغُوزة مواقيت الحكمة الربانية التي بدت لهم مواقيت ظهوراتها كما لو كانت في غير محلها، لولا إيمانهم باقتدار القادر على كُلِّ شيء.
586