Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٨٧يَقْضِي بِمَا شَاء وَالأَسْبَابُ جَامِدَةٌ وَيُحْكم الأمْرَ وَالأفْكَارُ عُمْيَانُ (1) يَخْتَصُّ مَنْ شَاءَ بِالرُّحْمَى وَيَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ، وَفِي الحُكْمَينِ رَحْمَنُ (2) إِنَّ الذِي يَتَعَاطَاهُ الذَّكَاءُ لَدَى حُكْمِ المَقادِيرِ تَحْمِينُ وَبُهْتَانُ (3) ما حِيلَةُ الظَّنِّ وَالأَوْهَامِ فِي قَدَرٍ إِلَّا قُصُورٌ وَعَجْز ثُمَّ إِذْعَانُ (4) لا بُدَّ أنْ تَرْبِطَ الأَنْهَامُ وَحْدَتَهُ وَلَوْ تَطَاوَلَ تَقْرِيبٌ وَإِمْعَانُ (5)
(1) المعنى: ومما يُدهش قصور عقولهم أنه يقضي بما شاء بغض النظر عن النتائج وأسبابها التي تقتضي - في زخم عُقولهم - نتائج مخالفة لما يبدو من جمود واستكانة؛ لأنه - بقدرته الغيبية - أحكم الأمر ببصيرة غَيْبِهِ المُتعالي - وإن عَميَتْ أفكارُ العُقلاء عن تفسير العلة بمعلولها: أي؛ النتيجة والشبب - وكلاهما اليتان عُقد عليهما لواء المنطق والتفلسف الظاهراتي في منظومات الفكر البشري، على اختلاف مشاربه، لذلك يبدو عدم اتشاق الشبب والنتيجة قُصُوراً في تأويل المؤولين، قياساً إلى ما قضاه وقدره دون تبيان العِلةِ التي احتارت فيها الأفكار. ملحوظة: مَرَّةً أخرى نلحظ حذاقة الشاعر في اختيار المفردات المُناسبة لخطابه؛ فهو لم يَقُل - رغم النقد المُباشر الذي تنضح به عُصارة البيت - عمى أفكارهم؛ بل جزمَ الأمر بحرص يقتضيه حال العماء المعرفي في اختصاره البليغ: «والأفكار عميان»، لينتهي تأويل الحكاية بنقطة جازمة خاتِمَةٍ في آخر الشطر. (2) المعنى: وبناءً على هذه القاعدة الغيبية التي لم يُفكَّك، بعد، نسقها المُلغز والمُغيب عن فطرَةِ العقول المستنيرة؛ لذلك تراه يختص من شاء من عباده برحمته لكنه يحجبها، أيضاً، عَمَّن يشاءُ دونما إلماح لكينونة اللغز - لأن منطق النتيجة التي ستظهر لاحقاً؛ سيبين رحمن عادل في بواطن الحكمين، وإن قالت ظواهرهما بغير ذلك في مقتضيات حدودِ العقل المفكر الحائر. (3) المعنى: لذلك؛ فإنَّ النتيجة الحتمية لكُلِّ ما يتعاطاه الذكاء البشري أمام تقدير حكم مقادير المُقتدر تأويلا بمحدودية مَنطِقه القاصر ستكون نتيجتها تخميناً وبهتاناً قاصرين بدورهما؛ لأنَّ العِلةَ - تخصيصاً، في حال كهذه - لا تستنبط، كما يلا يمكن تأويلها جزافاً. (4) المعنى: والسؤال الذي سيطرح نفسه بداهة في متوالية الأبيات: ما حيلة الظن والأوهام في تعليل تعارض النتائج القدريَّة في معكوساتها وفقاً لقصور المُخيلة البشرية؛ إلا عجز تفلسفها الفادح إذعاناً - في بصيص الطيف الرُّؤيوي - لحقيقة المُعضلة التي استعصى فهم نسقها الرباني الكامل على محاولات تلك العقول المُفكرة.
(5) المعنى وخلاصة الحَدَث الغيبي؛ هي وجوب ربط الأفهام لوَحْدَتِهِ الكُليَّة؛ فدون ذلك الربط ينتقض مستوى تعليلِ وَحدَةِ الخالق ومشيئته اللامُفسَّرَة، رغم محاولات التفسير المتطاولة على اختيارات مشيئته بتقريب العِلةِ إلى حواف معلولاتها والإمعان والتفكرِ جُزافاً فيما لا فائدة تُرتجي من سبر
أغواره.
587