الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٩٢

تحُكُمْتُ مِنْ أَصِيلِ الرَّأْيِ فِطْنَتُهُ كأنَّهَا فِيهِ أَبْصَارٌ وَآذان (1) يَطْوِي عَزَائِمَ بِالتَّقْوَى وَيَنشُرُها كَأَنَّهُنَّ بِخَضم الله نيرانُ (2) أصَارَهُ عِلْمُهُ بِاللهِ مَحْضَ هُدًى وَغَيْرُ بِدْعِ هُدَى يُذْكِيهِ عِرْفَانُ (3) لم ينزل العِلْمُ مِنْهُ مَوْضِعاً كَدِراً يُمَثْلُ الشَّمْسَ مِنهُ الذَّاتُ وَالشانُ (1)

(1) تحكمت أصلها الحُكْمُ: العِلْمُ والفقه والقضاء بالعدل، وهو مصدر حَكَمَ يَحْكُمُ، ويُروى: إن من الشعر لحكمة، وهو بمعنى الحكم؛ ومنه الحديث: الخلافة في قريش والحُكْمُ في الأنصار؛ خَصَّهُم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة فيهم، منهم مُعاذ بن جَبَلٍ وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم. المعنى: وفطنته تحكمت من ثاقب الرَّأي علماً وقضاء بالعدل كأنَّ فطنته الخارقة تلك تجسدت في كليته مجسات سمع وإبصار لاقطة لما خفي واستعصى فهمه من الأمور. تلميح: أراد باستخدامه لكاف التشبيه، في الشطر الثاني من البيت صيغة المُبالغة، بحيث أضحت فطنته (المنعكسة في شخصِهِ عِلْماً وعدالة أبصاراً وآذاناً يرى ويسمع بها، تركيزاً لوظائفها للقيام بوظيفة العدل وحصافة الرأي، دون انشغال حواسه بغيرها من المحسوسات والمُدرَكات.

(2) عزائم العزائمُ الرُّقَى. وعَزائِمُ الله فَرائضُهُ التي أوْجَبَهَا، والعَزْمُ ما عَقَد عليه قَلْبُك من أَمْرٍ أَنَّكَ فاعله؛ وقول الكميت: يَرْمي بها فَيُصِيبُ النَّبْلُ حاجَته | طَوْراً، ويُخْطِئُ أَحْياناً فيَعْتَزِمُ؛ قال: يَعودُ في الرَّمْي فَيَعْتَزِمُ على الصواب فيَحْتَشِدُ فيه، وإن شئت قلت يَعْتَزِمُ على الخطإ فَيَلِجُ فيه إن كان هجاه. المعنى وبالتقوى دون سواها يطوي العزائم وينشرها في اللحظة الصحيحة والمناسبة للإنقضاض، بحيث تبدو مطوية كانت أم منشورة تلك العزائم في نظر العدو نيراناً عليه أن يحسب لها

ألف حساب.

(3) محض هدى هدى خالص || بدع: البدعُ؛ هو الشيء الذي يكون أولا. جاء في محكم التنزيل: قُل ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُل»؛ أَي ما كنت أوّل من أُرْسِلَ، قد أرسل قبلي رُسُلٌ كثير. والبدعة الحدث وما ابتدع من الدِّينِ بعد الإكمال || يُذكيه يُوقِدُه ويُنيره || العِرفان: العلم والمعرفة الباطنية بالله في المصطلح الصوفي. المعنى: لقد صيَّرَهُ عِلمه هدى خالصاً ينضح على كافة أتباعه، وما ذلك بغريب ولا مُبتدَعِ عليه، لأنه انحل من جسده الإنساني في لبوس الهدى المتوقد بالعرفان الرباني. ملحوظة: نلاحظ أن أبا مُسلم يُضفي على شخص الإمام (وأخيار تابعيه في الأبيات اللاحقة) صفات عرفان المتصوفة الكبار، تعبيراً عن تناهي ورعهم وتقاهم، لكنَّ واقع الحال غير ذلك؛ أي أن الإمام الممدوح لم يبلغ تلك المراقي التي أضفاها عليه مادحه الشاعر، مهما بولغ في الخطاب الرَّافِعِ من شأنه، لا سيما أنه انتخب وهو ما زال في حدود الثامنة والعشرين من عُمره واغتيل في حدود الخامسة والثلاثين، وفي محيط هذا العُمر لا تترسخ المعرفة الكلية للكائن الورع في باطنها وظاهرها؛ لكنه خطاب نعتقد أن الشاعر عكس في صفاء جدول مائه ما يجول في خاطره فرحاً بقيام دولة الإمامة فأضفى على ممدوحيه عرفانه الشخصي. (4) لم ينزل: النُّزُول؛ هو الحلول، وقد نَزَلَهم ونَزَل عليهم ونَزَل بهم وردت في الأصل المعتمد=

592