الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٩

إلى جانب تلك الأسباب غير المُترَّخة، للأسف من تتابع ضغوط الإنكليز إلى جانب تضاؤل مصدر عيشه بعد تقاعده، فضلا عن كرمه الذي اشتهر به،

نستطيع استشفاف سبب مُوازِ بإمكاننا تلقفه من متون قصائده:

كانتْ روحُهُ هنا في غُبَيْرَاء الأئِمَّة، وليس في زنجبار الوادعة باخضرار طبيعتها وشكونها الآسر. ورغم أنه لم يَكُنْ في منفى بالمعنى المعهود، لكنَّ مكانته فرضت عليه أن يكون ذلك المنفي، شاءَ أم أبي ـ رغم أنه كان، آنذاك، في رقعة وبقعة جغرافية لم تكُن لتتجزأ عن وطنه، فيما لو استعرنا مفهوماً كُولونيالياً لجريرة المواطنة بمقاييس تلك الأزمان.

مع

ذلك، نستطيع المُجازفة، في هذه المُقدِّمة تعبيراً عن أسلوب حياة أبي مسلم في جزيرة زنجبار، ونحن نستعيد مقولة الكاتب الأرجنتيني خوليو کورتاثار بعد رحيله من بوينس آيريس في 1951 إلى باريس: «كان المنفى أفضل وسيلة لضمان الوفاء للوطن» (1).

نجازف بعبارة كورتاثار تلك، رغم أنَّ أبا مُسلم، آنذاك، لم يَكُن مَنفيّاً (بالمعنى التقليدي للمنفى)، لأنه كان يعيش في بحبوحة واحدة من «مُستعمرات» «وطنه»، إن صحت المُجازفة بغُلوّ التعبير في الأثافي الثلاث: جزيرة زنجبار، سلطنة فُصِلَت عن توأمها 2 سلطنة مسقط، وعُمان إمامةً حاول

=خري Sir Edward Grey وزير المستعمرات البريطانية، بتاريخ 1911/ 10/11 م، وردت فيها إشارة صريحة إلى السلطان تقضي بضرورة تقديم استقالته، وتتعهد الحكومة البريطانية في المقابل بدفع أجر سنوي له مقداره ألفا جنيه إسترليني لإعاشته وكذا عائلته، شريطة تقديم تعهد بعدم العودة إلى سلطنة زنجبار (جزيرتي زنجبار أونجوجا» وبيمبا) دونما الحصول على إذن مسبق من حكومة جلالة ملك بريطانيا». (1) مفارقة طريفة: لقي شاعرُ بلاط لدى أحد السَّلاطين فيلسوفاً يلتقط الأعشاب ليأكلها، فقال له الشاعر: لو خدمتَ المُلوك لم تحتج إلى أكل الحشائش فردَّ عليه الفيلسوف قائلا: وأنتَ لو أكلت الحشائش لاستغنيت عن خدمة الملوك ويبدو أنَّ أبا مُسلم استطاع التوفيق، على نحو ما، بين المسألتين!

59