الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٩٤

يَعُدُّهَا النَّاسُ مِنْ أَحْجَارٍ سُوحِهِمُ وَهُنَّ فِي مَلَكُوتِ اللهِ شُهْبَانُ (1) يَمْشُونَ بُلْهَا، وَهَمُ النَّفْسِ فِي كَبَسٍ وَالعَقْلُ فِي الوَجْدِ بِالمَشْهُودِ وَلْهَانُ (2) وَالفَتحُ يَقْصِدُ قلباً ما بِهِ سَعَةٌ إِلَّا لِمَنْ لم تَسَعْهُ قَط أَكْوَانُ (3)

في

وهي

ترد

(1) شوح: الفضاء والخلاء بين دُورِ الحَيّ؛ وهي الشيوح في الدارج العُماني || شهبان: في الأصل، الشغلة من النَّارِ؛ ويقال للرجل الماضي في الحرب: شهابُ حَرْبِ أَي ماض فيها، على التشبيه بِالكَوْكَبِ في مُضِيَّه، والجمعُ شُهُبٌ وشُهبانٌ؛ قال ذو الرمة: إِذا عَمَّ داعِيها، أَتَتْهُ بِمالِكِ | وشُهْبانِ عَمْرٍو، كلُّ شَوْهَاءَ صِلْدِمِ. أَرَادَ بِشُهْبانِ عَمْرِو: بَنِي عَمْرو بنِ تَمِيمٍ. المعنى: وتلك المواهب التي اختص بها الرحمان رجالاته الأخيار، يحسبها عُموم الناس ويعتقدون أنها حجر لا قيمة له كالأحجار التي امتلأت بها الشوح المحيطة ببلداتهم دون تثمينها بما تستحقه حَجَراً كريماً نفيساً، لو أدركوا قيمة تلك الأحجار المواهب المُتوقدة شهاباً إثر شهاب مُضيء، ليس في سوحهم الجرداء فحسب، بل في ملكوت الله، لو كانوا يعلمون. (2) بلها: أبله؛ أي حمقى || كَيس: الكَيْسُ: خفّة الفهم وتوقد الذكاء || الوَجْد: الوَلَه؛ جمع هذا البيت خالصةً بعمق ظلالها الصوفية || المشهود ذات الله وأيضاً تعني: يوم القيامة || ولهان: الوَلَهُ: ذهاب العقل لفقدان الحبيب، وقصد به ذات الخالق جل وعلا. المعنى: وهذا الإمام وخلص حواريه - كما ترون يا عامة الناس - يمشون بينكُم بلحاهم وعمائمهم المستنيرة؛ كما يمشي البلهاء والمجانين في بلداتكُم، لا لبلاهة، بل لشدَّةِ وَرَعِهم وتقواهم ومخافتهم من الله التي صيرتهم في عُيونِكُم كالشُّعراءِ العُشاق يُطوّفون من حارة إلى حارة تشبيباً بالمحبوب، لكن محبوب هؤلاء الله عز وعلا. تلميح: تطغى على البيت قُبَّةُ بُعدٍ صُوفي تُذكِّرُ، ولو من بعيد، بمولويات الشيخ جلال الدين الرُّومي؛ الذي يبدو لنا أنَّ الشاعر أسبغ ظِلالَ بُعدِهِ القاموسي (وليس الشلوكي، شطحاً) على الأتقياء الوَرِعِين من أتباع إمام المُسلمين الممدوح في القصيدة. (3) السَّعَة: نقيض الضيق || الفتح: في اللغة: الفَتْحُ النصر. والفَتْحُ الماء يجري من عين أو غيرها. وفاتحة الشيء: أوله. في القرآن: (أ): خلاف الإغلاق لا تفتح لهم أبواب السماء» [40/ 7]. (ب): فتح = حكم. الفتّاح = الحاكم قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم [26/ 34]. (ج): فتح: أرسل وأطلق. ما يفتحُ الله للناس من رحمة فلا مُمسك لها» [2/ 35]. (د): فتح: بين أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم» [76/ 2]. (هـ): الفتح - النصر، وقيل القضاء، استفتح = استنصر. إنا فتحنا لك فتحاً مبينا» [1/ 48]. (و): يوم الفتح = يوم

[البله]،

هو

(1):

القيامة. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) [29/ 32]. عند ابن عربي: نظر إليه نظرة «عرفانية» لم يتخط بها أفق من سبقه من المتصوفين، وكانت بالتالي عباراته فيها مستمدة منهم: فتح حلاوة - فتح عبارة - فتح مكاشفة، وهو فتح إنساني علمي؛ أي أنه «فتح عرفان». (2) نظرة إيجاديَّة) تذكرنا بالتجلي الوجودي عنده وهي نظرة خاصة شديدة اللصوق بمذهبه في التجليات والفيوضات. ولذلك جاءت عباراته فيها اصطلاحية، خاصة المفاتح الأولى - المفاتح

594