الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٩٦

رَبَّانَةٌ بِشَرَابِ الحُبِّ مُحْرَقَةٌ وَالحَالُ صَحْرٌ وَكُلُّ الشَّرْبِ نَشْوَانُ (1) تِلْكَ النُّفُوسُ التي هَذَا الإِمَامُ لَهَا قُطْبٌ وَمَوْرِدُهُ الصَّافِي لَهَا حَانُ (2)

صوفياً صرفاً في التعالي النوراني، قدر ما يُقربُ المعنى [لمن لم يعرف مصطلحات المتصوفة، بمصطلحات الخمريات]، ومن قرأ أبا نواس (على سبيل المثال، لأدرك الفرق بين مقاصده في التشبيب بالغلمان والجواري، قياساً إلى مقاصد الحسين بن منصور الحلاج، الذي نكاد نجزم بتأثر أبي مسلم بطرائقه الصوفية التي اتخذت لذاتها كما لذات خالقها ومعبودها] أقصى يسار النعوت الوصافة له. لأنَّ أبا مُسلم ركب مركب الحقيقة، وإن لم يُصرّح به مذهباً، كما صرح به الحَلّاج: ركوب الحقيقةِ لِلحَقِّ حَقٌّ | ومعنى العِبارَةِ فِيهِ يَدقُ || رَكِبتُ الوُجودَ بِفَقدِ الوُجودِ | وقلبي على قسوة لا يَرِقُ»، وقد اخترنا هذين البيتين عن قصد، وإلا كان بإمكاننا اختيار ما يناسب الإدمان الرُّوحي بالله من ديوان الحلاج، لكن ذلك لم يكن مسعى ولا هدفاً لنا، قدر ما أردنا الإعلاء من شأن أبي مسلم الذي ظلم في حياته كما في مماته، من كلا الطرفين: أعدائه البينين الواضحين بعد نحو مائة عام من

رحيله، ومن اعتقدوا جَهلاً به، في أنفسهم فُيُوضَ مَحبَّته، سَواءٌ بسواء. (1) رئان: ضد عطشان، وريَّانة على القياس، لأن العرب تقول: رجلٌ رَيَّان وامرأة ريا؛ قال ابن سيده: وأَما رَيَّا التي يُظنّ بها أنها من أسماء النساء فإنه صفة || الشَّرْب: بفتح الشين وسكون الراء: الجماعة يَشْرَبُونَ الخمر. المعنى: ونفوس أولئك القوم المُتهبطة من علياء السماوات ريانة بشراب الحب الإلهي، قدر ما هي مُحرقة محروقة به، رغم أن الحال صخو [قياساً إلى المناخ الأرضي وكُلُّ نُدامى الله منتشون بخمرته التي اختصَّهُم بها. تلميح: مَرَّةً أخرى، نُلاحظ إسباغ الشاعر صفات المصطفين الأخيار من أتباع الإمام (وليس شخصه، فحسب) مُكسِباً إيَّاهِم صِفاتٍ لم يعتقدوها في أنفسهم [لولا تنبيه الشاعر لهم، في نُونيَّتِهِ - المانيفستو] … وكما أشرنا من قبل فهو أسلوب (بالأحرى، تقنية وليس مُبالغة، قُصِدَ بها حَث أتباعه وأنصاره ومُؤيَّديه لاتباع طريق الهدى الذي دعاهم الإمام إليه، ليدعوا بدورهم (كرجالات دولة مُتحققين فئات الأمة وقبائلها المتنازعة، يومها، حول هذا الإمام الذي ظهر ولم تحسم أمرها بشأن الولاء المُطلق له. وسواء اعتقدنا نحن كدارسين متأخرين لتلك المرحلة) بصدقٍ أكذوبة الشاعر، أو كذبها المحض، لكننا حتماً سنُصَدِّقُ مَرامَها وبعدها الاستنهاضي في خاصة أتباع الإمام بأنهم [مصطفون مُختارون، كإمامهم من ذات الله العلي القدير، وسنقف مكتوفي الأيدي أمام مديحه [في ذواتهم أو ذوات أسلافهم في أبعد تقدير]؛ إن لم تتنزل نفوسهم بعد السماء كأؤلئك الأسلاف، فإنَّها لا محالة ستفعل ذلك وستشاركهم المُنادمة بعد النصر أو الشهادة

من

في وليمة الله.

اص

[YA

(2) الإمام: قصد بالمعنى ممدوحه الإمام سالم بن راشد الخروصي، تحديداً وتخصيصاً. الإمامة في اللغة: (والإمام: كُلُّ من اقتدي به، وقُدِّمَ في الأمور. والنبي [محمد] إمام الأئمة، والخليفة أمام الرعية، والقُرآن: إمام المسلمين [معجم مقاييس اللغة. في القرآن: وردت كلمة إمام بمعنى: المُقدَّم المتبوع، سواءً كان شخصاً أم كتاباً. قال إني جاعلك للناسِ إماماً، قال ومن ذرئي [124/ 2]، ويتلوه شاهِدٌ مِنهُ ومِن قبله كتاب مُوسى إماماً ورَحْمَة [17/ 11]. عند ابن

ج

596